يا مصطفى من قبل نفخة آدم… أسرار النور بين المصطفى والقرآن

بقلم الشيخ : حسن حفني باحث وكاتب
في علم التصوف الإسلامي وقضايا الإنسان

يا مصطفى من قبل نفخة آدم… أسرار النور بين المصطفى والقرآن

قراءة في خطبة الجمعة لسيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه

15 ربيع الأول 1440هـ الموافق 23 نوفمبر 2018م بمسجد سكر أرمنت الأقصر

ليس عنوان الخطبة دائمًا مجرد عبارة تسبق الكلام، فقد يكون العنوان نفسه بابًا من أبواب المعنى، فإذا أحسن القارئ الوقوف عنده انفتح له من الكلام ما لا يظهر لمن مرّ عليه سريعًا.

وعنوان خطبة سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه: «يا مصطفى من قبل نفخة آدم» ليس عنوانًا عابرًا، بل يحمل في نبرته معنى المحبة والتعظيم والإشارة إلى مقام المصطفى ﷺ، ذلك المقام الذي لا يُستوفى وصفه بعبارة، ولا تحيط به لغة، وإنما يقترب منه القلب بقدر ما فيه من أدب ومحبة وصدق.

لكن الشيخ لم يبدأ خطبته بالحديث عن المصطفى ﷺ، وإنما بدأ من مقام آخر، كأنما يريد أن يهيئ للقلب الطريق قبل أن يدخله إلى حضرة المحبة.

فقال:

«الحمد لله بأسمائه الحسنى النور».

وهنا يبدأ مفتاح الخطبة.

فالنور ليس مجرد لفظ جميل، وإنما هو معنى إذا حضر تبدلت به الأشياء؛ قد يكون الطريق موجودًا أمام العين، لكن الإنسان لا يراه، وقد تكون الحقيقة قريبة، لكن القلب محجوب عنها، فإذا أشرق النور رأى الإنسان ما كان قائمًا ولم يكن يراه.

ثم يقول الشيخ:

«قال عن ذاته العلية (الله نور السموات والأرض)».

والآية الكريمة:

﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ [النور: 35]

والوقوف هنا ليس عند جمال اللفظ فقط؛ لأن القلب حين يسمع:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

يدرك أن النور الحقيقي ليس شيئًا مستقلًا عن الله، ولا قوة يتصرف بها الإنسان، وإنما كل هداية ووضوح وبصيرة إنما هي من فضل الله وفتحِه.

ولهذا ينتقل الشيخ مباشرة إلى الهداية فيقول:

«وسمى الله هدايته نورًا (يهدي الله لنوره من يشاء)».

قال تعالى:

﴿يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ﴾ [النور: 35]

وهنا تتسع الدائرة.

فمن عرف أن النور من الله، عرف أن الهداية ليست مجرد كثرة المعلومات، وأن الإنسان قد يعرف الطريق ولا يسلكه، وقد يحفظ الكلام ولا يتحول به، وقد يجمع من العلم ما يملأ الكتب بينما يظل قلبه محتاجًا إلى نفحة واحدة ترده إلى الله.

فالمشكلة ليست دائمًا في غياب المعرفة، وإنما في غياب النور الذي يجعل المعرفة حياة.

ثم ينتقل الشيخ إلى الإسلام فيقول:

«ودين الإسلام نور أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه».

قال تعالى:

﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ [الزمر: 22]

وتأمل قوله تعالى: ﴿شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾.

فالهداية هنا ليست مجرد انتقال في الأفكار، وإنما شرح في الصدر.

وكم من إنسان يعرف الحق، ولكن صدره لا يتسع له، وكم من إنسان يسمع الموعظة، ولكنها لا تجد موضعًا تستقر فيه، وكم من كلمة تمر على الأذن فلا تتجاوزها، وكلمة أخرى تقع في القلب فتغير وجه الحياة.

وهنا يظهر الفرق بين أن تسمع النور، وأن تحمل أثر النور.

ثم يقول الشيخ:

«وهداية الله مع نور الإسلام مع النور المقذوف في القلب لدخول الإسلام سماه ربنا (نور على نور)».

قال تعالى:

﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖ﴾[النور: 35]

والشيخ هنا يقرأ الآية قراءة إشارية تربوية، فيربط بين الهداية والإسلام وما يشرق في القلب من نور.

وهذا من المواضع التي ينبغي أن نكون فيها دقيقين: فالآية قرآن، أما هذا الربط التفصيلي فهو فهم الشيخ وإشارته.

ومع ذلك فإن الإشارة تفتح بابًا جميلًا للتأمل: فالقلب لا يكتفي بأن يعرف، وإنما يحتاج أن يتحول ما عرفه إلى حال، وما سمعه إلى حياة، وما أحبه إلى عمل.

فليس كل من تكلم عن النور من أهل النور، وليس كل من وصف الطريق من أهل السير.

النور الحقيقي تظهر علاماته في الإنسان: في نظرته، وفي كلامه، وفي رحمته، وفي أدبه، وفي خلوته، وفي معاملته للخلق.

ثم يقول الشيخ:

«سبحانه سبحانه نحمده ونستعينه ونستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يملأ بها ربنا قلوبنا نورًا وحياتنا بهجة وانشراحًا وسرورًا».

وهنا ينتقل النور من معنى يُتأمل إلى دعاء يُطلب.

وهذه نقلة دقيقة جدًا؛ لأن الإنسان إذا عرف أن النور فضل من الله، لم يغتر بما عنده، ولم ينسب الفتح إلى نفسه، وإنما صار قلبه بين الخوف والرجاء، يسأل ولا يدّعي، ويرجو ولا يتكبر، ويعرف أن أعظم ما يُمنح للعبد أن يفتح الله له بابًا إلى نفسه.

ومن هنا كان الانتقال إلى رسول الله ﷺ طبيعيًا في سياق الخطبة، فقال الشيخ:

«وأشهد أن سيدنا ومولانا وملازنا وغياثنا محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله وحبيبه الخليل الأعظم والحبيب الأكرم سماه الله في كتابه نورًا حيث يقول الله في كتابه (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) الكتاب هو القرآن والنور هو المصطفى العدنان صلى الله عليه وعلى آله وسلم».

والآية:

﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ۝١٥ يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ۝١٦﴾

[المائدة: 15-16]

وهنا ينبغي أن نقف بأدب علمي: قول الشيخ «الكتاب هو القرآن والنور هو المصطفى العدنان» هو فهم وإشارة اختارها الشيخ في قراءته للآية، وليس نصًا قرآنيًا يقال إن القرآن صرّح فيه بهذا التعيين.

وهذا التفريق لا ينتقص من الإشارة، بل يحفظ لها مقامها؛ لأن جمال الإشارة أنها تفتح أبواب التأمل من غير أن تدعي لنفسها مقام النص.

وعندما نتأمل اختيار الشيخ لهذا المعنى نجد أن الجمع بين «النور» و«الكتاب» يفتح أمامنا معنى بالغ الدقة:

فالكتاب يهدي، والرسول ﷺ بلّغ وبيّن وعلّم ودلّ على ربه، فليس الطريق مجرد نص يُقرأ، ولا محبة مجردة تُقال، وإنما قرآن يُتبع، ورسول ﷺ يُقتدى به، وقلب يتربى حتى تتحول الهداية من معرفة إلى حياة.

ولهذا لم تكن النبوة في حياة الأمة مجرد خبر عن الماضي، بل بقي أثرها حاضرًا في كل قلب صدق في اتباع رسول الله ﷺ.

فالذي يقرأ القرآن ولا يتأدب بأخلاقه لم يذق بعد سر القراءة، والذي يحب رسول الله ﷺ ثم لا يطلب سنته وأدبه في نفسه ما زالت محبته محتاجة إلى شاهد.

وهنا أفهم عبارة الشيخ حين يقول:

«وجمعهما ربنا مع أن اللفظين مختلفين نور وكتاب… يهدي به».

فهذه من عباراته وتأملاته، وليست آية قرآنية.

ثم يستشهد بقوله تعالى:

﴿يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ﴾

[المائدة: 16]

واللافت أن الآية لا تقف عند كلمة «الهداية»، وإنما تكشف ثمرتها: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، ثم ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، ثم ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

وكأن الهداية ليست أن تعرف أين النور، وإنما أن تخرج فعلًا من الظلمة إلى النور.

وهنا يصبح السؤال شخصيًا جدًا:

ماذا فعل النور فينا؟

هل جعلنا ألين قلبًا؟

هل جعلنا أسرع إلى العفو؟

هل جعلنا أصدق في القول؟

هل جعلنا أقل تعلقًا بأنفسنا وأكثر تعلقًا بالله؟

هل جعلنا نرى عباد الله بعين الرحمة بدل عين الإدانة؟

فإن لم يحدث شيء من ذلك، فربما نحن ما زلنا نتحدث عن النور أكثر مما نعيش أثره.

ثم يقول الشيخ:

«فالنبي والقرآن المنزل على النبي هدى ونور وهداية إلى الصراط المستقيم بل هما معًا معًا الصراط المستقيم».

وهذه عبارة إشارية من كلام الشيخ، لا آية من القرآن.

وإذا تأملناها في سياق الخطبة وجدنا أن الشيخ يريد أن يربط بين المحبة والهداية، وبين رسول الله ﷺ والقرآن، وبين المعرفة والسلوك.

فالقرآن يفتح للإنسان طريق الحق، ورسول الله ﷺ هو المعلّم والمبيّن والقدوة في السير على هذا الطريق.

ومن هنا يصبح الحب النبوي أعمق من مجرد العاطفة؛ إنه أدب، واتباع، ورحمة، وصدق، ووفاء.

ثم يقول:

«فصلوات الله تعالى وسلامه عليك يا سيدي يا رسول الله».

وكأن الكلام بعد هذا الامتداد العقلي والروحي لم يعد يحتمل مزيدًا من الشرح، فانتقل من العبارة إلى الصلاة والسلام.

ثم يدخل الشيخ في الشعر:

«يا جمالًا قد لاح أثلا عليا

قبلكم كنت ظاهرًا وجليًا

حيث لا آدم ولا روح عيسى

منك سار الخليل نورًا مضيًا

صلوات عليك من ذات ربي

نُعطي منها الرضا وعيشًا هنيًا».

وهذا شعر الشيخ، وليس من القرآن، وله لغته الإشارية ومجاله التعبيري الخاص.

والجميل هنا أن الشعر لم يأت منفصلًا عن البناء السابق، بل جاء بعد رحلة من النور والهداية والقرآن والمحبة.

وكأن الشيخ حين وصل إلى مقام المصطفى ﷺ لم يعد يريد أن يشرح فقط، وإنما أراد أن يعبّر عن أثر المحبة في القلب.

ثم يختم الشيخ هذا المقطع بالصلاة والسلام على النبي ﷺ وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، ثم يقول:

«أما بعد فيا أيها الموحدون بالله».

ومن هنا تبدأ الخطبة في الرجوع إلى الإنسان.

وهذه العودة هي عندي من أعمق ما في هذا السياق؛ لأن الشيخ لا يترك السامع مع صورة جميلة عن النور، ولا يجعله واقفًا عند مقام المحبة، وإنما يعيده إلى نفسه.

فكل نور لا يعيدك إلى إصلاح نفسك يحتاج إلى مراجعة.

وكل معرفة لا تزيدك تواضعًا تحتاج إلى مراجعة.

وكل محبة لا تحمل صاحبها على الأدب تحتاج إلى مراجعة.

وكل ذكر لا يثمر رحمة بالخلق يحتاج إلى مراجعة.

فالنور الذي يمدح الإنسان أثره في الكلام، بينما النور الذي يدخل القلب يفضح له نفسه أولًا، ثم يعلمه كيف يصلحها في هدوء.

ومن هنا أرى أن عبارة «يا مصطفى من قبل نفخة آدم» يمكن أن تُقرأ لا باعتبارها مجرد حديث عن سبق أو مقام، وإنما باعتبارها نداء محبة صادرًا من قلب يرى في المصطفى ﷺ موضع تمام الهداية وكمال الرحمة.

ولا أحتاج في قراءة هذا المعنى أن أحمل النص ما لا يحتمل، ولا أن أجعل الإشارة عقيدة مستقلة عن القرآن والسنة؛ يكفيني أن أتأمل كيف جمع الشيخ في مسار واحد بين اسم الله النور، والهداية، وشرح الصدر، والإسلام، و«نور على نور»، ثم النور والكتاب، ثم المصطفى ﷺ، ثم سبل السلام والصراط المستقيم.

هذا الترتيب وحده يقول شيئًا مهمًا.

يقول إن الطريق إلى النور ليس ادعاء النور.

وأن القرب ليس كثرة الكلام عن القرب.

وأن المحبة ليست أن تقول «أحب»، وإنما أن ترى أثر هذه المحبة في أخلاقك.

وأن القرآن ليس كتابًا يُقرأ باللسان فقط، وإنما عهدٌ يطلب من الإنسان أن يعيد ترتيب حياته.

وأن رسول الله ﷺ ليس اسمًا عظيمًا نردده فحسب، وإنما قدوة إذا صدقت المحبة صدق الاتباع.

وهنا يظهر جمال التربية في كلام الشيخ؛ فهو لا يضع الإنسان أمام المعنى مرة واحدة، وإنما يأخذه إليه بالتدريج.

من السماء إلى القلب.

ومن القلب إلى الإسلام.

ومن الإسلام إلى النور.

ومن النور إلى الهداية.

ومن الهداية إلى المصطفى ﷺ.

ومن المصطفى ﷺ إلى القرآن.

ومن القرآن إلى الصراط.

ثم من الصراط إلى الإنسان نفسه.

وهذه هي النقطة التي تجعل الخطبة بالنسبة لي أوسع من مجرد موعظة في النور.

إنها محاولة لإعادة تعريف النور داخل الإنسان.

فليس النور أن ترى عيوب الناس.

النور أن ترى عيب نفسك فلا تنشغل بعيوبهم.

وليس النور أن تتكلم كثيرًا عن الأسرار.

النور أن تصبح أكثر صدقًا وأقل دعوى.

وليس النور أن يشعر الإنسان أنه فوق الناس.

النور أن يشعر أنه أحوج إلى رحمة الله من كل أحد.

وليس النور أن يكثر الإنسان من الحديث عن المحبة.

النور أن تجعله المحبة أرحم وأصدق وأهدأ وأشد أدبًا مع الله وعباده.

وهنا أفهم لماذا بدأ الشيخ من اسم الله «النور» قبل أن يتحدث عن المصطفى ﷺ.

فالقلب إذا عرف أن النور من الله، لم يتخذ النور وسيلة للكبر، ولم يجعل الفتح سببًا للدعوى، وإنما ظل عبدًا يسأل ربه المزيد.

ثم إن أعظم ما في النور أنه لا يلفت القلب إلى نفسه، وإنما يدل القلب على ربه.

ولهذا فإن صاحب النور الحقيقي لا يحتاج إلى أن يقول للناس: انظروا إلى نوري.

يكفي أن يلمس الناس أثره في معاملته.

فالنور لا يرفع صاحبه فوق الخلق، بل يرده إلى مقام العبودية.

وهنا تتضح قيمة التفريق بين النص والإشارة.

فالقرآن يبقى قرآنًا، لا نزيد فيه ولا ننقص.

وكلام الشيخ يبقى كلام الشيخ، نعرف قدره وننسبه إلى قائله.

والإشارة تبقى بابًا للتأمل، ما دامت لا تصادم أصلًا من أصول الشريعة ولا تزاحم النص في مقامه.

وهذا في ظني هو الأدب الذي ينبغي أن يحكم قراءتنا لتراث أهل الطريق:

أن نفتح قلوبنا للمعنى، لكن لا نغلق عقولنا، وأن نذوق الإشارة، لكن لا نرفعها إلى مقام الوحي، وأن نحب الصالحين، لكن لا ننسب إليهم ما لم يقولوه.

ومن هنا تصبح قراءة خطبة سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه قراءة في بناء الإنسان قبل أن تكون قراءة في بناء العبارة.

فالشيخ يتحدث عن النور، لكن السؤال الذي يتركه لنا ليس: ما معنى النور؟

بل: أين أثره فينا؟

ويتحدث عن الهداية، لكن السؤال ليس: هل نعرف الهداية؟

بل: هل اهتدينا؟

ويتحدث عن المصطفى ﷺ، لكن السؤال ليس: كم مرة نردد اسمه؟

بل: كم شيء تغيّر فينا بسبب محبتنا له؟

ويتحدث عن القرآن، لكن السؤال ليس: كم آية نحفظ؟

بل: كم آية غيرت فينا شيئًا؟

وهنا ينتهي الكلام، لكن يبدأ الطريق.

فما قيمة أن يعرف الإنسان النور إذا ظل قلبه موحشًا؟

وما قيمة أن يعرف الطريق إذا ظل واقفًا؟

وما قيمة أن يتحدث عن المحبة إذا لم تظهر المحبة في أدبه؟

وما قيمة أن يكثر من الذكر إذا لم يزد قلبه رحمة؟

إن أجمل ما في الأنوار أنها لا تصنع ضجيجًا.

تدخل القلب في صمت، ثم تغيّر صاحبه في هدوء.

وقد لا يعرف الناس متى بدأ التغيير، لكنهم يرون بعد ذلك إنسانًا آخر:

أقل قسوة، وأصدق قلبًا، وأهدأ نفسًا، وأشد افتقارًا إلى الله.

ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي أخرج بها من هذا المقطع من خطبة سيدي الشيخ فراج يعقوب رضي الله عنه:

أن النور ليس شيئًا نتزين بالحديث عنه، وإنما أمانة إذا أودعها الله القلب ظهرت آثارها على الجوارح.

وأن المحبة النبوية ليست نهاية الطريق، بل بدايته.

وأن القرآن ليس بعيدًا عن المحبة، كما أن المحبة ليست بعيدة عن القرآن.

وأن الهداية لا تكتمل في القلب حتى تتحول إلى سلوك.

وأن الصراط المستقيم ليس فكرة نؤمن بها فقط، بل طريق نمشيه كل يوم.

وهكذا تعود بنا عبارة «يا مصطفى من قبل نفخة آدم» إلى معناها الأعمق:

نداء قلبٍ يرى في المصطفى ﷺ جمال الهداية، وفي القرآن نور الطريق، وفي العبودية تمام الإنسان.

فالأنوار لا تُقاس بكثرة ما نقول عنها، وإنما بما تغيّره فينا.

وإذا كان النور من الله، فليس لنا بعد ذلك إلا أن نقف ببابه فقراء، ونقول بصدق:

اللهم لا تجعل حظنا من النور أن نتحدث عنه، واجعل لنا منه نورًا نهتدي به، ونستقيم به، ونرحم به عبادك، ونلقاك به.