مرتزقة منابر الإعلام
8 سبتمبر، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

المقال الحادى والثلاثون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
المثقفون المرتزقة:
إذا كانت النخب المزيفة التي تربّت في مدارس الاستعمار قد حملت فكر الغرب لتزرعه في أوطانها باسم التنوير والعقلانية، فإن المثقفين المرتزقة شكلوا طبقة أكثر انحطاطًا، لأنها لم تكتفِ بنقل الفكر المستورد، بل باعت نفسها بالكامل مقابل المال والشهرة والمناصب. هؤلاء لم يكونوا مجرد أدوات نظرية، بل جنودًا مأجورين في خدمة الطغاة والمستعمرين، مستعدين لتغيير جلودهم مع كل مرحلة، والانتقال من ضفة إلى أخرى، ما دام الثمن يُدفع.
منابر الإعلام كأوكار للتضليل:
لقد تحولت منابر الإعلام – الصحافة، القنوات الفضائية، المسرح، السينما، وحتى المنصات الرقمية – إلى أوكار تضليل، تملؤها هذه الفئة من المثقفين المرتزقة. فالقلم الذي كان يُفترض أن يكون صوتًا للحق صار أداة للتزييف، والكاميرا التي كان يُفترض أن تُظهر الحقيقة صارت تُنتج الأكاذيب، والمسرح الذي كان يُفترض أن يكون ضميرًا صار مساحة للابتذال. كل ذلك لأن من يتصدر هذه المنابر لم يعد المثقف الحر، بل المثقف المرتزق، الذي لا يؤمن بقيمة إلا قيمة الأجر المدفوع.
هؤلاء المرتزقة يتقنون لعبة الأقنعة: تارة يقدّمون أنفسهم على أنهم “معارضون شجعان”، وتارة يظهرون في ثياب “المفكرين الأحرار”، وتارة يضعون على وجوههم أقنعة “المناضلين الثوريين”. لكن في كل الأحوال، يبقى ولاؤهم للسلطة التي تدفع، أو للقناة التي تمول، أو للجهة التي ترعاهم. إنهم أشبه بسلعة تُباع وتشترى، لا يربطهم بالحق أو بالمبادئ رابط، بل يتقلبون مع الرياح حيثما وجدت مصالحهم.
والمثال على ذلك في سوريا صارخ وواضح. فالفنان المسرحي المهندس هـ.ح، الذي ذُكر في السابق، لم يكن طوال مسيرته إلا نموذجًا للفن المبتذل والخدمة المطلقة للنظام البعثي. مسرحياته كانت مزيجًا من الإسفاف والألفاظ النابية والسرقات الفنية، لكنها في الوقت نفسه بوقٌ دائم للسلطة. لم يكن يجرؤ على الاقتراب من جوهر الاستبداد، بل كان يُضحك الناس على مشاكلهم السطحية، ليصرفهم عن مواجهة أصل الداء. ولهذا كُرّم مرات عديدة من رأس النظام السوري بشار الأسد، في دلالة واضحة على دوره الوظيفي.
لكن حين اندلعت الثورة السورية، انقلب هـ.ح على صديقه القديم النظام، وبدأ يقدّم نفسه في ثوب “المعارض”. ظهر على الفضائيات مدعيًا أنه مع الثورة، لكنه لم يقدم إلا فنًا أكثر ابتذالًا مما سبق، خاليًا من أي مضمون حقيقي. ثم لم يتردد في مبايعة داعش تارة، والنصرة تارة أخرى، حين وجد أن ذلك قد يفتح له بابًا للظهور والتمويل. لقد فضح نفسه بنفسه كنموذج للمثقف المرتزق: بلا مبدأ، بلا ثبات، مستعد لأن يكون بوقًا لأي طرف، ما دام سيمنحه أجرًا أو دورًا أو مساحة على الشاشة.
هذه الانتهازية ليست حالة فردية، بل ظاهرة عامة في عالمنا العربي. فقد امتلأت القنوات بوجوه مثقفين يُغيرون خطابهم بحسب القناة التي تستضيفهم: إذا كانت قناة تابعة لنظام استبدادي، تبنوا خطاب النظام، وإذا كانت قناة “معارضة” تظاهروا بالمعارضة، وإذا كانت قناة ممولة غربيًا، صاروا ليبراليين حداثيين، وإذا كانت إيرانية صاروا دعاة “المقاومة والممانعة”. إنهم كائنات بلا هوية، أشبه بالحرباء، لكنهم أخطر منها لأنهم يعبثون بوعي أمة كاملة.
إن المثقف المرتزق ليس مجرد شخص يُسيء إلى نفسه، بل خطر وجودي على المجتمع. لأنه يشغل المنابر التي يفترض أن يعتليها الأحرار، فيُسكت صوت الحقيقة، ويملأ الساحة بالضجيج المزيف. وحين يبحث الشعب عن كلمة حق، لا يجد أمامه إلا هذه الأقلام المأجورة، وهذه الألسنة المستأجرة، فتضيع الحقيقة في زحام الأكاذيب. وهكذا يكتمل مشروع جيوش الظل: تزييف الإعلام عبر المرتزقة، وقتل الضمير الجمعي عبر كلمات مأجورة.
لقد آن للأمة أن تميز بين المثقف الحر والمثقف المرتزق، بين من يكتب من أجل المبدأ ومن يكتب من أجل الأجر. فالحر يدفع ثمن كلمته سجنًا وتشريدًا ونفيًا، أما المرتزق فيقبض ثمن كلمته مالًا وشهرة وتكريمًا. الحر يقف ضد التيار إذا كان التيار باطلًا، أما المرتزق فيسبح مع التيار أيًا كان اتجاهه. الحر يُربي أجيالًا على الصمود، أما المرتزق فيُخرج أجيالًا على الاستسلام.
إن معركة الوعي اليوم ليست فقط مع الطغاة والمستعمرين، بل مع هؤلاء الذين باعوا أقلامهم وألسنتهم، وحوّلوا منابر الإعلام إلى أوكار تضليل. فإذا لم تُكسر أقلام المرتزقة، وتُكشف أقنعتهم، وتُسحب البساط من تحت أقدامهم، فلن تستطيع الأمة أن تُحرر نفسها حقًا. لأن العدو الخارجي مهما كان قويًا لا يستطيع أن يهزمنا وحده، لكن حين يجد هؤلاء المرتزقة في الداخل، يصبح النصر عليه أسهل، والهزيمة علينا أقرب.