مثقفون في خدمة المستعمر
4 سبتمبر، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

المقال الثلاثون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
النخب المزيفة:
من أخطر ما واجهته أمتنا عبر القرون أن أعداءها لم يكتفوا بجيوش الغزو من الخارج، ولا بجيوش الثقافة والفن والإعلام من بعيد، بل زرعوا في قلبها نخبًا مزيفة، تلبس ثوب الفكر والثقافة والمعرفة، بينما حقيقتها لا تتجاوز كونها وكلاء للاستعمار، يكتبون ويفكرون ويُنظرون لا لخدمة شعوبهم، بل لخدمة مشاريع الغير. هؤلاء لم يدخلوا إلى الأمة كجنود يحملون السلاح، بل دخلوا ككتّاب وأدباء وصحفيين وأساتذة جامعات، يتحدثون بلغة العقل والتنوير، لكنهم في العمق خونة مقنّعون، يمررون ما لم تستطع جيوش الاحتلال تمريره بالمدفع والدبابة.
لقد كان المثقف في وجدان الأمة رمزًا للوعي والنهضة، صوتًا يعلو على صوت السلطان إذا ظلم، وقلمًا يكتب ليوقظ النائمين ويُعري المستبدين. لكن مع سقوط الخلافة العثمانية وتكريس التجزئة الاستعمارية، ظهرت طبقة جديدة من “المثقفين”، صُنعوا في مدارس الاستعمار وجامعاته، وعادوا إلى بلادهم بأفكار مستوردة، يروّجون لها باعتبارها طريق الحرية والتقدم. هؤلاء هم المثقفون المزيفون: ألسنتهم عربية، لكن عقولهم غربية، وولاؤهم للدوائر التي صنعتهم لا للأمة التي أنجبتهم.
في سوريا مثلًا، كما في مصر ولبنان وتونس والمغرب، برزت أسماء لامعة في الصحافة والأدب والفكر، لكنها لم تكن سوى أبواق لمشاريع الغرب. فبدل أن يكتبوا عن مقاومة الاستعمار، كتبوا عن “التجديد الديني” بمعناه الغربي، وبدل أن يدافعوا عن الخلافة كإطار جامع للأمة، صوروها على أنها استبداد وظلام، ورفعوا رايات القومية والإقليمية لتفتيت الأمة أكثر فأكثر. كانوا يرددون كلمات مثل “التنوير” و”الحرية” و”العقلانية”، لكن مضمونها كان مطابقًا للبرامج الغربية التي صُممت لإخراج الدين من الحياة العامة وإلحاق الأمة بالغرب حضاريًا وثقافيًا.
إن أخطر ما فعله هؤلاء أنهم احتكروا لقب المثقف، وصاروا في نظر الجماهير “رموزًا فكرية”، تُنشر كتبهم في المدارس والجامعات، وتُدرّس مقولاتهم على أنها قمة الوعي. بينما في الحقيقة لم يكونوا سوى طابور خامس فكري، يزرع الهزيمة في النفوس، ويجعل التبعية للغرب خيارًا وحيدًا. وحين كانت الأمة تبحث عن مخرج من الاستعمار العسكري، كانوا يقدمون لها “حلولًا” تزيدها خضوعًا: دعوات إلى العلمنة المطلقة، أو القومية الضيقة، أو الانبهار بالحداثة الغربية دون نقد.
لقد تحولت هذه النخب المزيفة إلى جيوش ظل داخلية، أخطر من الجيوش الغازية. فالجندي الأجنبي يُقاوم بالسلاح، أما المثقف المزيف فيدخل إلى المدارس والجامعات والصحف، ليعيد تشكيل العقول في هدوء. وهو لا يواجه الناس بالقهر، بل يخاطبهم بلغة “الحرية” و”العقل”، فيُسلمونه عقولهم طوعًا. وهكذا يُعاد إنتاج الاحتلال في الداخل، عبر كلمات رنانة، ومفاهيم خادعة، وشعارات براقة.
وما يثير الأسى أن هؤلاء لم يكونوا مجرد أفراد، بل شبكات كاملة، تتعاون مع الأنظمة الاستبدادية لتثبيت حكمها. فالنظام الذي يقتل في الشارع يحتاج إلى من يبرر له في الصحف. والنظام الذي ينهب ثروات الشعب يحتاج إلى من يُقنع الناس أن هذا “تطوير اقتصادي”. والنظام الذي يحارب الدين يحتاج إلى من يُسوق العلمنة باعتبارها “تقدمًا حضاريًا”. وهكذا تحولت النخب المزيفة إلى مستشارين للمستبدين، وأقلامهم إلى خناجر في ظهر الأمة.
لقد أسهم هؤلاء في كل هزائمنا الكبرى. حين سقطت فلسطين، كانوا يكتبون مقالات عن “التعايش” و”السلام”. وحين ثارت الشعوب ضد الطغاة، كانوا يتحدثون عن “الفوضى الخلاقة” و”ضرورة الاستقرار”. وحين نادت الأمة بالعودة إلى هويتها، صوروها على أنها “رجعية” و”ظلامية”. إنهم صوت الهزيمة الداخلي، الذي يكرر دائمًا: لا تقاوموا، لا تحلموا، لا تعودوا إلى دينكم، فالمستقبل في أيدي الغرب وحده.
إن النخب المزيفة أخطر من الطغاة أنفسهم. فالطاغية يحتاج إلى تبرير، وهم يبررون. والمستعمر يحتاج إلى وكلاء، وهم الوكلاء. والشعب يحتاج إلى قدوة، فيجد نفسه أمام مثقف مزيف يصنع له صورة مشوهة عن ذاته. ولهذا فإن معركة التحرر لا تكتمل إلا بفضح هؤلاء، وكشف حقيقتهم، وإسقاط أقنعتهم. فالمثقف الحق هو من يقف مع الأمة لا مع المستعمر، ومع الحقيقة لا مع الدعاية، ومع الحرية لا مع الاستبداد.
وهكذا نفهم أن جيوش الداخل لا تبدأ بالبندقية، بل تبدأ بالقلم. وأن أول خيانة تتعرض لها الأمة هي خيانة المثقف الذي باع قلمه، وخيانة المفكر الذي باع عقله. هؤلاء هم المفسدون في الأرض، الذين يزينون للناس الباطل في صورة الحق، ويحولون الخيانة إلى بطولة، والعمالة إلى وطنية.