الوهابية ذراع وظيفي للاستعمار

المقال التاسع عشر من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

التحالفات المشبوهة :

حين نقرأ تاريخ الوهابية بتجرد، ندرك أننا لسنا أمام مجرد حركة إصلاحية محدودة التأثير كما يُسوّق لها بعض المدافعين، بل أمام مشروع وظيفي متكامل ارتبط منذ نشأته بتحالفات مشبوهة مع القوى الطامعة في تمزيق جسد الأمة. لقد نشأت هذه الدعوة في بيئة محلية ضيقة في نجد، لكنها ما كانت لتصبح قوة مزلزلة في جزيرة العرب لولا الغطاء السياسي الذي وفره آل سعود، والفرص التاريخية التي فتحها المستعمر الغربي ليستثمر في هذا الكيان الناشئ. ومن هنا يتضح أن الوهابية لم تكن حركة تلقائية من الداخل فحسب، بل أداة صُنعت بعناية لتؤدي وظيفة: ضرب الإسلام من داخله، وزرع بذور الفتنة التي تضمن بقاء الأمة متناحرة.

لقد قام التحالف الأول بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود على أساس واضح: الدين يُضفي الشرعية على السيف، والسيف يُمكّن الدين من التوسع. لكن خلف هذه المعادلة الداخلية كان هناك لاعب آخر يترقب: بريطانيا العظمى، التي كانت آنذاك القوة الاستعمارية الأولى في العالم. أدرك البريطانيون أن هذا التحالف الناشئ يمكن أن يكون ورقة مثالية لإضعاف الدولة العثمانية، العدو الأكبر لمصالحهم. فبدأت الاتصالات والدعم غير المباشر، وتدفقت المعلومات من عملاء بريطانيين في الخليج لتؤكد أن “الدعوة الجديدة” يمكن أن تُستخدم لتفكيك الجبهة الإسلامية من الداخل.

ومنذ ذلك الحين، صار الخطاب الوهابي أداة مثالية للاستعمار: يضرب الأمة باسم الدين، ويُفتي بقتل المسلمين قبل الكفار، ويُشعل الحروب الداخلية بدل أن يوجه السيوف إلى الخارج. وحين هاجم الوهابيون مدن الجزيرة واستباحوا دماء أهلها ومساجدها ومقابرها، كان العدو الحقيقي – البريطاني والبرتغالي ثم الفرنسي – يرسخ وجوده على سواحل العرب من دون مقاومة تُذكر. بل الأدهى أن بعض الحملات الوهابية، حين اشتدت، كانت تجد نفسها فجأة مهددة من العثمانيين، فيسارع الإنجليز إلى مدها بالسلاح أو فتح قنوات خلفية لدعم استمرارها، لأنهم رأوا فيها العدو المثالي لعدوهم.

وفي القرن العشرين، تحولت هذه العلاقة من مجرد تقاطع مصالح إلى تحالف مؤسسي. فمع اكتشاف النفط في الجزيرة، صار المال الوهابي سلاحًا عالميًا، يُنفق بسخاء على نشر الكتب والمطابع والمدارس التي تُعيد إنتاج الفكر التكفيري في كل بلد إسلامي. وهنا تدخلت القوى الاستعمارية الكبرى – بريطانيا أولًا ثم أمريكا – لتضمن أن هذا المال لن يُستخدم في مشروع وحدوي أو نهضوي، بل في نشر الوهابية عالميًا. لم يكن غريبًا أن تُفتح مئات المدارس في آسيا وإفريقيا بتمويل نفطي، تُدرّس نفس المناهج الضيقة، وتُخرّج أجيالًا لا ترى في الإسلام سوى طقوس شكلية وكراهية للآخر.

ثم جاءت لحظة أفغانستان لتكشف حجم هذه العلاقة. فحين غزا السوفييت كابول، فتحت أمريكا وحلفاؤها الباب أمام “الجهاد الوهابي”، ودعمت تدفق الشباب المعبئين بخطاب التكفير ليقاتلوا هناك. لكن هذا “الجهاد” لم يكن موجهًا لبناء مشروع إسلامي جامع، بل كان حربًا بالوكالة تخدم أهداف واشنطن في إسقاط موسكو. وما إن تحقق الهدف حتى تُركت أفغانستان للفوضى، وصارت الجماعات الوهابية المسلحة وبالًا على شعوبها، بينما خرج المستعمر منتصرًا. إنها القصة ذاتها: الوهابية تُستخدم كأداة وظيفية، تُستعمل حين يحتاجها الاستعمار، ثم تُركن حتى يحين موعد استخدامها من جديد.

إن التحالفات المشبوهة التي صنعت الوهابية ليست تفصيلًا عابرًا، بل هي قلب القصة. فلو لم تجد هذه الدعوة الغطاء السياسي والمال النفطي والدعم الاستعماري، لبقيت حركة محدودة في صحراء نجد، لا وزن لها. لكنها صارت، بفضل هذه التحالفات، جيش ظل دينيًا يُشعل الفتن في الأمة منذ ثلاثة قرون. وفي كل مرة يظن الناس أنها انتهت، تعود بثوب جديد: مرة عبر جماعات تكفيرية مسلحة، ومرة عبر مناهج تعليمية ممولة، ومرة عبر قنوات فضائية تبث الكراهية ليلًا ونهارًا.

وهكذا نفهم أن الوهابية لم تكن يومًا مجرد اجتهاد ضيق أو “دعوة إصلاحية”، بل كانت وما تزال ذراعًا وظيفيًا للاستعمار. فهي تضرب الأمة باسم الدين، وتخدم مصالح أعدائها من حيث تدّعي نصرة التوحيد، وتُعيد إنتاج نفسها مع كل جيل لتبقى أداة طيّعة في مشروع تمزيق العالم الإسلامي.