سربرينيتسا : حين صمت العالم… وتكلمت المقابر الجماعية

بقلم الأديب والمؤرخ: سيد الرشيدي

“التاريخ لا يكتبه المنتصرون دائماً، بل تكتبه أيضاً دماء الضحايا التي تأبى الجفاف، لتظل شاهداً حياً على خسة القاتل، وتواطؤ الشاهد، وعار الصامت.”

سربرنيتسا.. طعنة في خاصرة التاريخ
واحد وثلاثون عاماً مرت على تلك الأيام القاتمة من (يوليو) 1995، ولا يزال جرح البوسنة والهرسك ناصباً مأتمه في ضمير الأمة. لم تكن مجزرة “سربرنيتسا” مجرد حدث عابر في سياق حرب إقليمية، بل كانت ذروة سنام الحقد الممنهج الذي قادته القوات الصربية ضد الوجود الإسلامي في البلقان. هناك، في تلك البقعة التي أعلنتها الأمم المتحدة زوراً وبهتاناً “منطقة آمنة”، جرى ذبح أكثر من ثمانية آلاف نفس بريئة من الرجال والصبية المسلمين، فقط لأنهم قالوا “ربنا الله”، ولأن هويتهم كانت ذنبهم الوحيد في عيون الغزاة.

أبشع جرائم العصر: بربرية تفوق الوصف
إن قراءة التاريخ تفرض علينا أن نسمي الأشياء بمسمياتها دون مواربة؛ فما حدث في البوسنة لم يكن قتلاً عسكرياً، بل كان همجية فاقت في بشاعتها محاكم التفتيش في الأندلس. لقد سجلت وثائق التاريخ، بمرارة وألم، تلك الجرائم المروعة التي نُفذت بدم بارد؛ حيث بُقرت بطون النساء الحوامل في سلوك وحشي يندى له جبين البشرية، ورُمي بالأجنة في العراء، وانتُهكت الأعراض والحرمات كإستراتيجية حرب ممنهجة لكسر الكبرياء وطمس الهوية.

ثم جاءت المقابر الجماعية، تلك القبور السرية التي حُفرت على عجل وتعددت وتوزعت لإخفاء معالم الجريمة، ليتحول تراب البوسنة إلى مدافن لشواهد حية تنطق بالغدر وتفضح بشاعة الفاعلين.

-الصمت وعور “المجتمع الدولي”
وهنا، كمؤرخ، لا بد لي أن أفكك هذه المعادلة الدولية العجيبة: أين كانت تلك التي تسمى “الحضارة الغربية”؟ أين ذهبت مواثيق “حقوق الإنسان” التي صُدعت بها الرؤوس؟

لقد وقف الغرب المتحضر متفرجاً، يراقب المذبحة عبر شاشات الرادار والملخصات الاستخباراتية دون أن يحرك ساكناً، بل إن قوات حفظ السلام الهولندية سلمت الضحايا للجلاد بيمينها وتراجعت بيسارها. هذا الصمت المخزي ليس هفوة تاريخية، بل هو منهج أصيل نراه يتكرر اليوم بحذافيره؛ نراه في الصمت المتواطئ تجاه المجازر وحرب الإبادة في غزة العزة، وفي التجاهل المريب لأنهار الدماء التي تسيل في السودان، وفي بقاع شتى من عالمنا الإسلامي.

إنها المفارقة الصارخة وازدواجية المعايير التي تحكم هذا العالم؛ فلو أن فصيلاً مسلماً ارتكب معشار هذه الجرائم ضد غير المسلمين، لقامت الدنيا ولم تقعد، ولتداعت الأمم مجيّشة جيوشها، ولأُعلنت حالة الطوارئ الفكرية والإعلامية والعسكرية لوصم الإسلام بالإرهاب والوحشية. أما عندما يكون الضحية مسلماً والجلاد غير ذلك، فإن دماءنا تصبح مجرد أرقام في نشرات الأخبار، ويتحول الفيتو الدولي إلى درع لحماية القتلة.

وعي الذات هو السبيل
إننا إذ نستحضر مجزرة سربرنيتسا اليوم ، لا نفعل ذلك لمجرد استدرار الدموع أو الندب على الأطلال، بل لنؤكد أن التاريخ يعيد نفسه لمن لم يستوعب دروسه. إن الحقوق لا تُستجدى من هيئات دولية عرجاء، ولا من غربٍ يرى الإنسان بعين واحدة.

إن حماية الوجود تبدأ من وعي الأمة بذاتها، ومن قوتها ووحدتها. ستظل دماء شهداء البوسنة، كدماء شهداء غزة والسودان، لعنة تلاحق هذا النظام الدولي المنافق حتى يسقط قناعه تماماً، وستبقى العدالة الإلهية هي الحقيقة المطلقة التي لا تموت، وإن غداً لناظره قريب.