
بقلم الشيخ : حسين السمنودي
في رحلة الحياة الطويلة، يمر الإنسان بمحطات من الفرح والحزن، والقوة والانكسار، والطمأنينة والاضطراب. وقد يظن أحيانًا أن الناس قادرون على تضميد جراحه، أو أن الأيام وحدها كفيلة بمداواة آلامه، أو أن كثرة المال والجاه والمناصب تستطيع أن تنتزع من قلبه ذلك الوجع الذي يسكن أعماقه. لكنه مع مرور الزمن يكتشف حقيقة عظيمة لا تقبل الجدل ولا المساومة، وهي أن الأوجاع الحقيقية لا يشفيها إلا الله.
هناك جراح لا يراها أحد، وآلام لا تستطيع الكلمات وصفها، وأحزان تختبئ خلف الابتسامات، وانكسارات يعيشها الإنسان في صمت بعيدًا عن أعين الناس. قد يجلس وسط الجموع وهو يشعر بوحدة قاتلة، وقد يضحك مع الآخرين بينما قلبه يبكي في داخله، وقد ينام منهكًا من التعب النفسي وهو يتمنى لو يجد راحة لا يعلم طريقها. عندها يدرك أن البشر مهما أحبوه لن يستطيعوا أن يدخلوا إلى أعماق روحه كما يفعل خالقه سبحانه وتعالى.
كم من مريض أرهقته الأسقام، وتنقل بين الأطباء والدواء، حتى تعلق قلبه بالله قبل كل شيء، فوجد في الدعاء سكينة لم يجدها في شيء آخر. وكم من مهموم ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، وأغلقت في وجهه الأبواب، وخذله القريب قبل البعيد، فلما رفع يديه إلى السماء شعر أن حملًا ثقيلًا قد أزيح عن صدره، وأن رحمة الله أوسع من كل ما يحيط به من ضيق وكرب.
إن الله سبحانه هو وحده العالم بخفايا النفوس، يعلم ما تخفيه الصدور وما تعجز الألسنة عن البوح به. يعلم دمعة انحدرت في ظلام الليل ولم يرها أحد، ويعلم تنهيدة خرجت من قلب موجوع، ويعلم وجعًا سكن الروح سنوات طويلة حتى ظن صاحبه أنه لن يبرأ منه أبدًا. ولذلك كان اللجوء إلى الله ليس مجرد عبادة، بل هو ملاذ الأرواح حين تتعب، ودواء القلوب حين تمرض، ونور الطريق حين تشتد العتمة.
كثير من الناس يبحثون عن الراحة في الأشياء من حولهم، في المال أو الشهرة أو العلاقات أو متاع الدنيا، ثم يكتشفون أن كل ذلك قد يمنحهم لحظات مؤقتة من النسيان، لكنه لا يمنحهم الشفاء الحقيقي. فالشفاء الذي يبحث عنه القلب لا يوجد إلا في القرب من الله، وفي السجود بين يديه، وفي اليقين بأن تدبيره خير من تدبير البشر جميعًا.
وحين تتكاثر الهموم على الإنسان، ويشعر أن أبواب الأرض قد أغلقت في وجهه، فإن باب السماء يبقى مفتوحًا لا يُغلق أبدًا. يسمع الله دعاء المكسور قبل أن ينطق به، ويرى دمعة الحزين قبل أن تسقط من عينه، ويعلم ما يعجز الناس عن فهمه أو الإحساس به. ولذلك كانت أعظم لحظات القوة في حياة المؤمن هي تلك اللحظات التي يشعر فيها أنه لا يملك إلا الله، لأن من كان الله معه فلن يضيعه أحد.
وما أجمل أن يتأمل الإنسان في قصص الأنبياء والصالحين، فقد عرفوا الألم كما عرفه غيرهم، وذاقوا الحزن والابتلاء والفقد والخوف، لكنهم وجدوا في الثقة بالله ما جعلهم يتجاوزون المحن ويصبرون على الشدائد. لم تكن حياتهم خالية من الأوجاع، ولكن قلوبهم كانت ممتلئة بالإيمان الذي يحول الألم إلى أجر، والمحنة إلى منحة، والدمعة إلى باب من أبواب الرحمة.
إن من أعظم الأخطاء أن يربط الإنسان سعادته بالبشر وحدهم، لأن البشر يتغيرون، وقد يرحلون أو يخذلون أو يعجزون عن مساعدته. أما الله سبحانه فلا يتغير، ورحمته لا تنقطع، وعطاؤه لا ينفد، ولطفه يسبق أقدارنا كلها. فإذا انكسر القلب جبره، وإذا ضاقت الدنيا وسعها، وإذا اشتد الكرب كشفه في الوقت الذي يراه سبحانه مناسبًا لحكمة يعلمها وحده.
وحين يشتد عليك الوجع فلا تسأل لماذا أنا؟ بل اسأل نفسك: كيف أقترب أكثر من الله؟ وحين يطول البلاء فلا تظن أن الله نسيك، فالله لا ينسى عباده، ولكنه يربيهم ويهذب قلوبهم ويعد لهم من الخير ما لا يعلمونه. وربما كانت بعض الجراح أبوابًا إلى رحمة عظيمة لم يكن الإنسان ليصل إليها لولا ذلك الألم.
وفي نهاية المطاف، تبقى حقيقة واحدة ثابتة لا تتبدل مهما تغيرت الظروف والأزمان، وهي أن القلوب إذا تعبت فلن تجد راحة أصدق من ذكر الله، وإذا انكسرت فلن تجد جابرًا أعظم من الله، وإذا ضاقت بها الدنيا فلن تجد ملجأ أوسع من رحمة الله.
فكم من إنسان ظن أن حياته انتهت عند أول صدمة، ثم اكتشف بعد سنوات أن تلك الصدمة كانت بداية نجاته. وكم من عبد بكى طويلًا على باب ربه، حتى جاءه الفرج من حيث لا يحتسب. وكم من قلب أثقلته الأحزان حتى كاد يسقط من شدة ما يحمل، ثم أحياه الله بنفحة من رحمته فاستعاد نبض الأمل من جديد.
إن الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما اشتدت قسوتها فهي زائلة، ومهما عظمت مصائبها فإن رحمة الله أعظم منها جميعًا. فلا تجعل همومك أكبر من يقينك، ولا تجعل أحزانك تحجب عنك نور الرجاء. واعلم أن الله إذا أحب عبدًا لم يتركه لنفسه، وإذا أراد به خيرًا ساقه إليه ولو عبر طرق مليئة بالابتلاءات.
وحين تخذلك الدنيا، وتغلق في وجهك السبل، وتتساقط من حولك الوجوه التي كنت تظنها سندًا، وتكتشف أن كثيرًا من الوعود كانت سرابًا، وأن كثيرًا من الكلمات الجميلة لم تصمد أمام اختبار الأيام، تذكر أن الله وحده لا يخذلك، وأن الله وحده لا يتركك، وأن الله وحده يعلم مقدار الألم الذي أخفيته عن الناس جميعًا.
فإذا أثقلتك الحياة فاسجد، وإذا ضاقت بك الأرض فادعُ، وإذا انكسر قلبك فالجأ إلى ربك، وإذا خذلك الجميع فثق أن الله لن يخذلك أبدًا. واجعل بينك وبين الله بابًا لا يغلقه أحد، وسرًا لا يعلمه أحد، ودمعة لا يراها أحد إلا الله، فإن في تلك الخلوات من الطمأنينة ما لا تمنحه الدنيا كلها.
لا يشفي أوجاعك طبيب مهما بلغت خبرته، ولا صديق مهما صدقت محبته، ولا مال مهما كثرت خزائنه، ولا منصب مهما علت مكانته، إذا لم يأذن الله للشفاء أن يسري إلى قلبك وروحك. فكل الأسباب تبقى أسبابًا، أما الشفاء الحقيقي والجبر الحقيقي والسكينة الحقيقية فمن عند الله وحده.
فطوبى لمن عرف طريق ربه قبل أن تشتد عليه العواصف، وطوبى لمن جعل يقينه بالله أكبر من مخاوفه، وأعظم من أحزانه، وأقوى من انكساراته. أولئك الذين إذا ضاقت بهم الدنيا اتسعت قلوبهم بالإيمان، وإذا نزلت بهم المصائب ارتفعت أرواحهم بالرضا، وإذا اشتد عليهم الليل أيقنوا أن وراءه فجرًا كتبه الله لهم برحمته ولطفه وكرمه.
لا يشفي أوجاعك إلا الله، ولا يجبر كسرك إلا الله، ولا يطفئ حرائق الحزن المشتعلة في أعماقك إلا الله، فتمسك بحبله، وأكثر من ذكره، وأحسن الظن به، فإن وراء كل دمعة صادقة رحمة، ووراء كل صبر جميل فرجًا، ووراء كل وجع أليم حكمة، ووراء كل ليل طويل فجرًا لا بد أن يطلع، لأن رب الفجر هو رب الليل، ورب الفرج هو رب البلاء، ورب الرحمة هو الله سبحانه وتعالى.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف