المعنى الأعمق لأحداث الخلافة الراشدة في بناء الوعي الجمعي الإسلامي

سلسلة مقالات “الفتنة الكبرى وأثرها في الوعي الجمعي الإسلامي الجزء الرابع “

 بقلم / د. بدر الفيومي

دكتوراه فى الفلسفة والفكر العربى والاسلامى المعاصر

 وإذا ما حاولنا أن نجمع هذه الحلقات كلها في أفق واحد، نجد أن السقيفة، والبيعة، وخلافة أبي بكر، وخلافة عمر، والشورى، وبيعة عثمان، ليست وقائع متجاورة فحسب، بل هي بنية متكاملة لإنتاج الشرعية في الإسلام المبكر. وهذه البنية قامت على ثلاثة أصول كبرى: حفظ الجماعة، ومنع الفراغ، وردّ الاختلاف إلى الشورى أو الحسم الراشد. ومن ثم فإن كل قراءة تنتزع واحدة من هذه الحلقات من سياقها، إنما تفسد فهم الحلقة نفسها، وتفسد فهم البنية بأسرها.

وهنا تتضح خطورة ما فعله المجترئون والمشككون؛ إذ لم يكتفوا بالطعن في تفاصيل الوقائع، بل أعادوا تعريف الجيل الأول كله بوصفه جيل تنازع على السلطة. فإذا استقرت هذه الصورة في الوعي الجمعي، لم يعد أبو بكر رجل تثبيت، ولا عمر باني دولة، ولا عثمان رجل تمكين ووحدة قرآنية، بل يتحول الجميع إلى شخصيات سياسية متصارعة في مخيلة القارئ المعاصر. وهذا هو عين التجديف المعرفي؛ لأن التاريخ لا يُظلم هنا في جزئية، بل يُفرغ من منطقه الداخلي كله، ويُقدَّم لشبيبة الأمة على صورة مشوهة تقودهم إلى الارتياب في الأصل بدل أن تعلمهم فقه التأسيس.

ولذلك فإن من واجب الباحث الجاد أن يرد هذه الوقائع إلى مواضعها الصحيحة، وأن يفصل بين الحدث كما وقع، وبين الذاكرة كما أعادت بعض الفرق والكتابات الأيديولوجية تشكيله. كما أن حريًّا بالمتفقهين والمثاقفين أن يدركوا أن خدمة الوعي الجمعي الإسلامي اليوم لا تكون بتكرار الروايات المثيرة، ولا بمجاملة المشككين، ولا بالانبهار بما يقدمه بعض قادة الرأي من قراءات تبدوا جريئة في ظاهرها، وهي في باطنها مفككة ومجتزأة، وإنما تكون بإعادة التأسيس العلمي الهادئ، الذي يوقر الصحابة، ويزن الأخبار، ويفضح نهوج المجدفين والمتأسلمين على السواء.

وصفوة القول فإن السقيفة لم تكن انكسارًا بل كانت إنقاذًا، وإن البيعة لم تكن استلابًا بل كانت تثبيتًا، وإن استخلاف أبي بكر لعمر لم يكن مصادرة للشورى بل كان امتدادًا لفقه المصلحة، وإن شورى عمر لم تكن حبكة سياسية بل آلية راشدة لحفظ الجماعة، وإن بيعة عثمان لم تكن انحرافًا عن الحق بل ثمرة شورى معتبرة ورضا عام. غير أن هاتيك الوقائع، لما كانت في قلب الذاكرة الإسلامية، كانت كذلك في قلب الاستهداف؛ لأن من ينجح في العبث بها ينجح في العبث بصورة الجيل الأول كله.

ومن هنا فإن إعادة كتابة هذه المرحلة لا ينبغي أن تكون مجرد ردود متفرقة على شبهات متناثرة، بل مشروعًا علميًا متماسكًا، يعيد ترتيب الأخبار، ويقرأها في ضوء نسقها، ويفكك الروايات المؤدلجة، ويرد الوعي الجمعي إلى أصوله الصحيحة. وذلك لأن الخلل في فهم السقيفة والبيعة والشورى ليس خللًا في قراءة الماضي وحده، بل هو خلل ينسحب على حاضرنا المعيش كله، حين تصبح صورة الجماعة الأولى صورة ملتبسة، وحين يترسخ في أذهان الشبيبة أن السياسة في الإسلام لم تعرف إلا الصراع، وأن الشرعية لم تُبنَ إلا على الغلبة، وأن الصحابة لم يكونوا إلا أطرافًا في نزاع طويل. وهذا كله باطل، أو فيه من الباطل ما يكفي لإفساد النظر وفتح الباب للزيغ.

وبذلك يظل هذا المقال موصولًا بما قبله، وممهدًا لما بعده، في نهج يروم أن يقرأ الفتنة الكبرى لا بعين الغلو، ولا بمنطق المجتزئين، ولا بطريقة المجترئين الذين يستسهلون اتهام الجيل الأول، وإنما بمنهج علمي متزن، يمرر الأخبار عبر غرابيل التحقيق، ويستبقي التوقير حيث يجب التوقير، ويضع النقد في موضعه الصحيح، حتى لا تختلط علينا لحظة التأسيس بلحظة التأويل، ولا يضيع منا الفرق بين التاريخ كما كان، والتاريخ كما أراد له المتأولون والمغرضون أن يكون.

وفي لقائنا القادم – بمشيئة الله – يكون حديثنا عن دواعي المحن، وما جرى من الفتن بعد مقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكيف تحولت تلك اللحظة إلى منعطف خطير في تاريخ الأمة الإسلامية.