رحم الله هاني شاكر


بقلم الدكتور : محمد قاسم

 بين جلال الموت وضيق العبارة: فقه الرحمة في ميزان الشريعة :

​حين يغادر المرء دنيانا، ويُطوى بساطُ عمره بما فيه من إقبال وإدبار، لا ينبغي أن يغدو رحيله مادةً للاستقطاب أو محاكمةً للمصائر؛ بل هو المقام الذي تخرس فيه الألسن هيبةً، وتستجيب القلوب لنداء الفطرة.

إن إشكالية الامتناع عن الترحم بناء على مسارات حياتية أو تصنيفات مهنية ليست مجرد نزاع عابر، بل هي أزمة فكرية تعكس خللا في المعايير حين تختل، وتصادما بين التصنيف المهني وبين الأصل العقدي.

.. فصلُ المسارات لا يعني تمييع الحق:

ينبغي أن نفرق بوضوح بين مقامين: مقام تقويم الفعل، ومقام الحكم على الفاعل؛ فالفعل يُوزن بميزان الحلال والحرام، ويُبين فيه الصواب من الخطأ بلا مواربة؛ أما الفاعل، فحكم الترحم عليه بعد موته ليس تابعاً لصورة ذهنية عامة أو لمهنة بعينها، بل هو حكمٌ مؤسس على أصل الإسلام؛ إن خلط هذين المسارين هو الذي يُنتج أحكاما متشنجة تستبدل ميزان الشريعة بميزان الهوى، والله سبحانه يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. [الإسراء: 36]

.. التوازن بين إنكار الباطل وشفقة الخلق:

الخطاب الرشيد هو الذي يجمع بين استنكار التجاوزات، والشفقة على الخلق عند لقاء الله.
إن الإنكار على الخطأ لا يستلزم بالضرورة مصادرة أصل الرحمة؛ فالمؤمن الحصيف هو من يقول: أخطأ في كذا، ونسأل الله له المغفرة.

لقد علمنا النبي ﷺ هذا الأدب الرفيع حين أُتِيَ برجل قد شرب الخمر مراراً، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد جَلَدَه في الشَّرابِ، فقال رَجُلٌ مِنَ القَومِ: اللهُمَّ العَنْه، ما أكثَرَ ما يُؤتى بهِ! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “لا تَلعَنوه، فواللهِ ما عَلِمتُ إلا أنَّه يُحِبُّ اللهَ ورَسولَه”. (رواه البخاري 6780). فحب الله ورسوله خبيئة قد لا تظهر في مهنة العبد أو تقصيره، لكنها كافية لزجر الألسن عن اللعن والقطيعة.

.. التصنيف المهني ومصيدة التألي على الله:

​كما هو مقرر، فإن المهنة ليست قدرا محتوما على الآخرة؛ فليس كل عمل مختلف فيه يُخرج صاحبه من الملة؛ وفي المقابل فإن العمل في ميادين الطاعة لا يمنح صكا للنجاة.

إن المعيار الحقيقي هو (على ماذا مات الإنسان؟) وهو بابٌ مستورٌ عن الخلق.
إن الامتناع عن الدعاء لمسلمٍ غيّبه الموت ينطوي على نزعة تزكية للنفس، وكأن القائل يملك مفاتيح الغيب، والله تعالى يحذرنا: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾. [النجم 32]

وبعد؛ يا أخي:
إن الموت هو الحقيقة التي تذوب عندها فوارق الألقاب والأسماء والأحساب والأنساب، ويستوجب من الأحياء سموًا في العاطفة ورصانة في القول، وتعقلا وحكمة عندئذ.

إن الميزان الحق هو أن نحكم بالظاهر ونكل السرائر إلى الله، وأن نضبط ألسنتنا بصدق البيان وسعة الرحمة؛ فالشريعة التي أمرتنا بالحق، هي ذاتها التي ندبتنا للستر والدعاء؛ ليبقى باب الرجاء مفتوحا لكل من شهد بوحدانية الله، ولتظل عقولنا منزهة عن التعدي على اختصاص الخالق في يومٍ كلنا إليه صائرون، وإلى رحمته مفتقرون.

قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [العنكبون: 57].