طوبى للغرباء: حين يصبح التمسك بالدين طريقًا موحشًا لكنه منير
4 مايو، 2026
بستان الصالحين
بقلم الأستاذة : بسمة القصاص الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية
الغربة في لغتنا هي “ما جَدَّ واستُحدث”، ومنها غُروب الشمس أي غيابه وانطفاؤه. لكن الغربة في حياة الإنسان أعمق من مجرد مصطلح، فهي حالة شعورية تأخذ صوراً شتى.
أولاً: غربة (الوطن)
وهي الصورة الأوضح للغربة، حيث يبتعد الإنسان عن الأرض التي وُلد فيها، ونشأ على ترابها، وشرب من مائها. هذا البعد المادي يؤدي غالباً إلى اشتغال العقل والقلب بالحنين للموطن، والاشتياق لتلك الحياة التي تركت أثراً في الوجدان.
ثانياً: غربة الروح والأهل
وهي أشد إيلاماً، أن يعيش الإنسان في وطنه ووسط أهله وعشيرته ولكنه يشعر كأنه غريب؛ لا يُسأل عنه ولا يُفتقد.
إن سألوا، كان سؤالهم عابراً، وإن انقطعوا، كان انقطاعهم بارداً.
العلاج: يكمن في قوله ﷺ: “صلوا أرحامكم”. وتفقدوا غائبكم واسالوا على احبابكم يموت الرجل ف بيته ويتحلل ولا يدرى به جاره ولا اهله فالدنيا رحلة قصيره كثرت بها المنغصات والانشغالات
والنصوص الدينية تحث على طهارة النفوس وتناسي الأخطاء، وبدء الصفحات الجديدة بالود والقرب، لأن قطيعة الرحم هي “غربة داخل البيت”.
ثالثاً: الغربة الفكرية والوجدانية
هناك من يعيش غريباً في أفكاره؛ يسير في الشوارع وسط الزحام بقلب تائه وعقلٍ لا يجد من يفهمه. يرى الدنيا بعينٍ مختلفة، فيبدو للناس كأنه من عالم آخر. هذا النوع من الناس يعاني من “فراغ العقل وتشتته”، حيث يبحث عن معنى للحياة لا يجده في صخب الماديات.
رابعاً: غربة الدين (أشد أنواع الغربة)
وهي التي أشار إليها النبي ﷺ بقوله: “بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء”.
تتجلى هذه الغربة في وجود مؤمنين وسط مجتمع قد يبتعد عن القيم، يشعرون فيها بأن تمسكهم بأخلاقهم وبصلاتهم التي يجدون فيها الراحة، هو أمر “غريب” بنظر الآخرين. في حين يغرق البعض في احتياجاتهم العقلية والمادية، يظل “الغريب” متمسكاً بسكينة روحه وأنسه بالله.
لذا، فإن كل هذه الأنواع من الغربة—سواء كانت مكاناً، أو أهلاً، أو فكراً—مرجعها في النهاية لاحتياج النفس الإنسانية إلى “الاستقرار واليقين”.
وكيف يتحقق هذا اليقين؟
يبدأ أولاً بمعرفة الله حق المعرفة، فمن وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟ إن معرفة الحقوق والواجبات، وفهم تعاليم الدين السمحة، تجعل الإنسان في تصالح مع غربته.
إن “الغرباء” الذين ذكرهم النبي ﷺ ليسوا منبوذين، بل هم المصلحون حين يفسد الناس. فإذا شعرت بالضيق من جفاء قريب، أو ببعدك عن وطن، أو بغربة فكرك عن من حولك، فاجعل وجهتك نحو “الوطن الحقيقي” وهو طاعة الله والقرب منه. حينها فقط، ستتحول وحشة الغربة إلى أنس، وتصبح تلك الغربة وساماً يُستحق عليه الثواب، فما هذه الدنيا إلا محطة عبور، والوطن الحقيقي ينتظرنا هناك… فطوبى للغرباء.