بين حبّ الإيمان وكراهية العصيان تظهر رحمة الله بعباده المؤمنين

بقلم الدكتورة : حنان محمد الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية

يقول الله تبارك وتعالى:

﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: 7]

في زحام الحياة، وتقلّب القلوب بين الشهوات والشبهات، تأتي هذه الآية الكريمة لتفتح لنا بابًا من أعظم أبواب الطمأنينة: أن الهداية ليست مجرد جهد بشري، بل هي منة إلهية عظيمة، يصنعها الله في القلوب.

“ولكن الله حبّب إليكم الإيمان”
تأمل هذا التعبير الرقيق… لم يقل: “أمركم بالإيمان” فقط، بل جعله محبوبًا. أي أن القلب الصادق لا يرى الإيمان تكليفًا ثقيلًا، بل يجد فيه راحته وسعادته. فالصلاة ليست عبئًا، بل لقاء، والقرآن ليس واجبًا، بل أنس، والطاعة ليست قيدًا، بل حرية.

ثم قال: “وزيّنه في قلوبكم”
فالإيمان لا يسكن القلب فقط، بل يتجمّل به القلب. يصبح صاحبه هادئًا، مطمئنًا، يرى بنور الله، ويشعر بجمال الطاعة حتى في أصعب الظروف.

وفي المقابل:
“وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان”

وهنا تظهر رحمة الله بعباده؛ إذ لم يتركهم يصارعون الشر وحدهم، بل جعل في قلوبهم نفورًا فطريًا من المعصية. فالمؤمن إذا أخطأ، لا يستريح، بل يشعر بضيق وندم، وكأن قلبه يرفض هذا الطريق.

الكفر: هو إنكار الحق بعد ظهوره.

الفسوق: الخروج عن طاعة الله بالمعاصي.

العصيان: التمرد على أوامر الله عن علم.

كلها طرق مظلمة، لكن الله يجعل القلب المؤمن يراها كذلك، فلا يُخدع بزخرفها.

ثم تأتي الخاتمة العظيمة:
“أولئك هم الراشدون”أي الذين اهتدوا إلى الطريق الصحيح، لا بعقولهم فقط، بل بقلوبٍ أنارها الله.

رسالة تربوية من الآية :

هذه الآية تعلمنا أن صلاح القلب هو الأساس. فليس المهم فقط أن تفعل الطاعة، بل أن تحبها. وليس الخطر فقط في الوقوع في المعصية، بل في أن تألفها.

فإذا وجدت نفسك: تميل إلى الطاعة وتفرح بها وتضيق بالمعصية وتندم عليها فاعلم أن هذا من أعظم نعم الله عليك.

أما إذا شعرت بفتور أو قسوة، فالباب مفتوح: ادعُ الله أن يحبب إليك الإيمان، وأن يزينه في قلبك، كما وعد في هذه الآية.

خاتمة :

الهداية ليست طريقًا نسلكه وحدنا، بل نور يقذفه الله في القلوب.فاسأل الله دائمًا أن يجعلك ممن أحبوا الإيمان فعاشوا به، وكرهوا المعصية فنجوا منها.

اللهم حبب إلينا الإيمان وزيّنه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين