
بقلم أ : هناء حمادة الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية
الارتقاء بالنفس عن الدنايا ليس قرارًا لحظيًا، بل مسار تربية مستمر. النفس بطبعها تميل إلى السهولة والهوى، لكن قيمتك الحقيقية تظهر حين تختار ما يرفعك لا ما يرضيك فقط.وتحلق بنفسك في معارج الصفاء والنقاء كما خلقت من نور لايخبو.
أول ما تحتاجه هو وضوح الهدف: لماذا تريد أن ترتقي؟ حين يكون الهدف رضا الله، وحفظ الكرامة، وصناعة إنسان نافع… تصبح مقاومة الدنايا أسهل. قال تعالى: {قد أفلح من زكاها}، فالتزكية هي مشروع العمر.
ثم راقب نفسك بصدق. لاحظ متى تضعف، ومع من، وفي أي بيئة. الدنايا غالبًا تتسلل من أبواب صغيرة: كلمة، نظرة، تساهل. الوعي بهذه اللحظات يمنحك قوة الاختيار.
واستبدل ولا تكتفِ بالمنع. لا تقل “لن أفعل”، بل اسأل: “ماذا سأفعل بدلًا من ذلك؟” املأ وقتك بالنافع: علم، عبادة، عمل، صحبة صالحة. الفراغ بيئة خصبة لكل انحدار.
ولا تُهمل الصحبة؛ فالنفس تسرق طباع من حولها. اختر من يذكّرك إذا غفلت، ويرفعك إذا ضعفت، لا من يبرر لك السقوط.
وتدرّب على مخالفة الهوى في الأمور الصغيرة قبل الكبيرة. كل مرة تنتصر فيها على نفسك، ولو في أمر بسيط، تبني عضلة الإرادة داخلك.
وأخيرًا، الزم باب الله. الدعاء، والاستغفار، والصلاة بخشوع ليست طقوسًا، بل وقود للثبات. كان من دعاء النبي ﷺ: “اللهم آتِ نفسي تقواها وزكّها أنت خير من زكّاها”.
الارتقاء ليس أن تكون بلا ضعف، بل أن تعرف كيف تقوم كلما تعثرت… وأن ترفض أن تعيش أقل مما خُلقت له.
يمكن تأصيل هذا المعنى تأصيلًا شرعيًا ليكون راسخا وليس مجرد دافعا مؤقتا
أولًا: أصل تزكية النفس في القرآن :
قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا • وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9–10]
→ دليل أن الفلاح الحقيقي مرتبط بتطهير النفس من الدنايا.
وقال تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى • فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40–41]
→ الارتقاء هو في مجاهدة الهوى لا الاستسلام له.
ثانيًا: مراتب النفس وضبطها
النفس الأمّارة بالسوء: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53]
النفس اللوّامة: { لَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 1]
النفس المطمئنة: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 27]
الارتقاء انتقال من الاستجابة للدنايا إلى الطمأنينة بالطاعة.
ثالثًا: مجاهدة النفس أصل شرعي
قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]
→ الهداية ثمرة المجاهدة.
وفي الحديث: “والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله” (رواه الترمذي).
→ أعظم الجهاد هو ضبط النفس.
رابعًا: تهذيب الأخلاق وترك الدنايا
قال ﷺ: “إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق”
→ وقال ﷺ: “ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” (متفق عليه)
→ القوة الحقيقية في ضبط النفس لا إطلاقها.
خامسًا: أثر الصحبة والبيئة
قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الكهف: 28]
وقال ﷺ: “المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” (رواه أبو داود والترمذي)
→ الصحبة رافعة أو خافضة.
سادسًا: العلاج العملي شرعًا
ذكر الله: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]
الاستغفار والتوبة: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا} [النور: 31]
الدعاء النبوي: “اللهم آتِ نفسي تقواها وزكّها أنت خير من زكّاها” (رواه مسلم)
مجلة روح الاسلام فيض المعارف