تحية العَلم .. سؤال واحد وإجابتان متباينتان يظهر من خلالهما أهمية المنهج الأزهري.
10 أبريل، 2026
قضايا وأحكام

بقلم الشيخ : أحمد ابو المجد الأزهرى
طالعت إجابةَ سؤالٍ عن حكم تحية العَلم وجِه للجنة تابعة لهيئة ما، وأردت أن أطالع إجابة نفس السؤال عند علماء الأزهر الشريف، فوجدت فرقاً شاسعاً،وبونا واسعاً، بين الإجابتين من حيث التصور والتكييف للمسألة، أما الأولى فقد كانت الإجابةكما يلي:
س٣: ما حكم تحية العلم في الجيش؟
ج٣: لا تجوز تحية العلم، بل هي بدعة محدثة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد »
ووجه السؤال للأستاذ الألباني فكانت إجابته:
«هذه بلا شك من التقاليد الكافرة، والتي نهينا عن تقليدهم بمناهي عامة وخاصة، فلا يجوز لأي دولة مسلمة حقًا أن تتبنى شيئًا من تقاليد الكفار» جامع تراث العلامة الألباني، ج8، 145.
أما إجابة الشيخ عطية صقر كالتالي:
سئل الشيخ عطية صقر عن بعض الناس يقولون: إن تحية العلم شرك بالله، فلا يعظم إلا الله وحده، فهل هنا صحيح؟
الجواب
العَلَمُ رمز للوطن فى العصر الحديث، وكان عند العرب رمزا للقبيلة والجماعة، يسير خلفه ويحافظ عليه كل من ينتسب إلى القبيلة أو الجماعة، وكلما كان العلم مرفوعا دل على عزة أهله، وإذا انتكس دل على ذلهم، ويعرف عند العرب باسم الراية أو اللواء.
يقول ابن حجر فى غزوة خيبر: اللواء هو العلم الذى يحمل فى الحرب يعرف به موضع صاحب الجيش، وقد يحمله أمير الجيش، وقد صرح جماعة بترادف اللواء والراية، وقال آخرون بتغايرهما، فقد روى أحمد والترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض، وجزم بتغايرهما ابن العربى فقال: اللواء ما يعقد فى طرف الرمح ويلوى عليه، والراية ما يعقد منه ويترك حتى تصفقه الرياح، وقيل: اللواء العلم الضخم وهو علامة لمحل الأمير يدور معه حيث دار، والراية يتولاها صاحب الحرب.
وفى شرح الزرقانى على المواهب اللدنية كلام كثير عن العلاقة بين الراية واللواء “ج ١ ص ٣٩٠” وذكر فى غزوة تبوك أن حامل اللواء كان زيد بن حارثة، ولما قتل تناوله جعفر بن أبى طالب وقاتل حتى قتل، ثم تناوله عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل، فأخذ اللواء ثابت بن أقرم العَجْلَانى وتقدم به إلى خالد بن الوليد وسلمه إياه لجدارته كما ذكر أن جعفرا لما قطعت يده اليمنى حاملة اللواء أخذه بيده اليسرى، فلما قطعت يداه احتضنه بعضديه ثم قتل، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يعوضه الله بدل اليدين جناحين فى الجنة “ج اص ٢٦٧ وما بعدها”.
والمهم أن العلم أو الراية أو اللواء كان يحرص عليه من يحمله، وإذا وقع رفعه غيره للدلالة على أن فى الجيش قوة، ترفع بها معنوياتهم ليصمدوا.
فتحية العلم بالنشيد أو الإشارة باليد فى وضع معين إشعار بالولاء للوطن والالتفاف حول قيادته والحرص على حمايته، وذلك لا يدخل فى مفهوم العبادة له، فليس فيها صلاة ولا ذكر حتى يقال: إنها بدعة أو تقرب إلى غير الله.
وحينما نعقد مقارنة بين الإجابتين نَخْلُص إلى التالي:
أما الفتوى الأولى ففسادها ناتج من عدة أمور:
أولاً: الخلط بين العادة والعبادة
تكمن الإشكالية في اعتبار تحية العلم “بدعة”، والبدعة في الاصطلاح الشرعي ما خالف الكتاب والسنة ولم يندرج تحت أصل من أصول الدين، وتكون البدعة في التعبديات لا في العادات، فإلحاق تحية العلم بباب التعبد المحض هو توسيع لمفهوم البدعة ليشمل العادات الدنيوية والبروتوكولات التنظيمية، وهو مسلك منافٍ لمقاصد الشريعة التي فرقت بين العبادات والعادات (المبنية على المصالح).
ثانياً: إهمال “دلالة العَلم”
تتعامل الفتوى مع “العلم” كجماد أو “خرقة قماش” أُحدث لها تعظيم، بينما في الواقع المعاصر وفي فقه السياسة الشرعية، العلم هو “عنوان السيادة” ورمز لوحدة الجماعة المسلمة في قطر معين، السطحية هنا تكمن في إغفال المعنى الرمزي الذي أشار إليه الشيخ عطية صقر حين ربطه باللواء والراية في الغزوات النبوية؛ فاحترام العلم هو احترام لما يمثله من دماء وتاريخ وأرض، وليس تعظيماً لذات القماش.
ثالثاً: الانفصال عن الواقع العالمي والوطني
القول بأنها “محدثة” لمجرد أنها لم تكن بصورتها الحالية في العهد النبوي هو تجميد للوسائل، فالحياة تتطور، والنظم العسكرية والإدارية تتطلب رموزاً وبروتوكولات توحد الصفوف، فحصر المشروعية فيما وقعت عينا السلف عليه فقط يغلق الباب أمام بناء الدولة الحديثة بمؤسساتها ورموزها التي لا تصطدم مع جوهر العقيدة.
أما إجابة فضيلة الشيخ عطية صقر فقد اتجه ـ رحمه الله ـ إلى تكييف المسألة باعتبارها من “العادات والسياسة الشرعية” لا من العبادات، وانطلق من النقاط التالية:
أولاً: التأصيل التاريخي للراية واللواء:
حيث ربط الشيخ بين “العَلم” المعاصر وبين “اللواء” في الجيوش الإسلامية الأولى، واستشهد بقصة جعفر بن أبي طالب في مؤتة، مبيناً أن التضحية من أجل إبقاء الراية مرفوعة كانت دليلاً على عزة الجيش وقوته، وليست عبادة لخرقة من القماش.
ثانياً: التفريق بين “التعظيم” و”العبادة”:
حيث قرر الشيخ أن التحية (بالنشيد أو الإشارة) هي وسيلة للتعبير عن “الولاء والانتماء”، وهي مشاعر إنسانية فطرية أقرها الإسلام، فليس كل تعظيم عبادة؛ وإلا لكان احترام الوالدين أو القادة عبادة.
ثالثاً: العلم في العرف والاصطلاح:
العلم في العصر الحديث أصبح “رمزاً للدولة”، والتحية له هي تحية لما يمثله من سيادة وأمة، وليست تقرباً لمادة العَلم ذاتها بذِكر أو صلاة.
الخلاصة: إن الفرق بين الإجابتين هو الفرق بين فكر يرى في كل جديد “ضلالة”، وفكر أزهري يرى في كل نافع “حكمة”، محولاً الرموز الوطنية إلى أدوات لجمع الكلمة ووحدة الصف.