فقه الأولويات بين الأضحية وإنقاذ المحتاج
7 مايو، 2026
قضايا وأحكام
بقلم / الدكتور : محمد جمال أبو سنينة
الخبير بمجمع الفقه الإسلامي بكندا
مدير المركز القانوني لفض النزاعات
المحاضر في الجامعة الإسلامية بمنسوتا
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
يفتي بعض أصحاب العلم أن:
“إعطاء قيمة الأضحية لإنقاذ مريض أو تسديد إيجار أهم وأفضل عند الله من الأضحية؛ لأن الأضحية سنة وإنقاذ النفس فرض”
هو كلام صحيح في أصله ومبدأ فقه الأولويات، ويدل على فقه صحيح في ترتيب الأولويات الشرعية. لكن يجب تأطيره بضوابط دقيقة حتى لا يُفهم منه إسقاط الأضحية في كل حال، أو أن الصدقة المطلقة أفضل منها في كل زمان ومكان.
وسأعرض الرد الفقهي في نقاط واضحة:
أولاً: حكم الأضحية وإنقاذ النفس :
• الأضحية سنة مؤكدة عند جمهور الفقهاء (الشافعية، المالكية، الحنابلة)، وقول بالوجوب عند الحنفية وبعض العلماء.
• إنقاذ النفس من الهلاك أو الضرر الشديد (كالجوع، المرض، التشرد) واجب شرعي، بل هو من أعظم المقاصد الضرورية في الشريعة.
فإذا تعارضت سنة مع واجب، قدّم الواجب بلا شك، وهذا مستقر في أصول الفقه.
ثانياً: الأدلة على تقديم الواجبات على السنن :
• قال صلى الله عليه وسلم: “كفى بالمرء إثماً أن يحبس عمن يملك قوته” (رواه مسلم برقم 996).
• قرر العلماء أن “الوسائل لها حكم المقاصد”، فتقديم النفقات الواجبة (كالعلاج، المسكن، قوت اليوم) أولى من الأضحية.
فالمديون ينبغي له أن يبدأ بالدين قبل الأضحية.
ثالثاً: هل الصدقة بثمن الأضحية تعادلها في الفضل؟
الأصل أن ذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها؛ لأنها إراقة دم وعبادة متعددة المعاني (إحياء سنة إبراهيم، إظهار الشعيرة، التصدق باللحم…).
لكن إذا تعينت حاجة إنسانية ملحّة (مريض لا يجد دواء، أسرة مهددة بالطرد من المسكن)، فإن تقديم المال لإنقاذهم يكون مقدماً؛ لأن إنقاذ النفس واجب والأضحية سنة.
وقد صح عن بلال رضي الله عنه أنه قال: “لأن أتصدق بثمنها على يتيم أو مغبرّ أحب إلي من أن أضحي بها”.
رابعاً: “فقه الأولويات” بين الإفراط والتفريط :
• الفتوى صحيحة في تقرير وجوب العناية بالضروريات، وهذا هو عين فقه المقاصد.
• لكن الخطأ المحتمل هو تعميم الحكم بحيث يُفهم أن الصدقة بثمن الأضحية أفضل منها في كل أحوال الفقر والحاجة، وهذا ليس صحيحاً.
• فمن كان قادراً على الجمع بين الأضحية والصدقة، فالأضحية أفضل.
• ومن كان عاجزاً عن الجمع، يقدم الأهم فالأهم، ولا ينكر فضل الأضحية من حيث الأصل.
خامساً: ضوابط عملية للعمل بهذه الفتوى:
1. إذا كان محتاج معين في خطر حقيقي (مرض مزمن، وشك الإخلاء من المنزل، جوع شديد) – فالواجب تقديم ماله على الأضحية.
2. إذا كان الفقر عاماً والأضحية شعيرة ظاهرة – فالأضحية أصلية، والصدقة تعطي من لحمها.
3. لا يستدين الإنسان للأضحية إذا كان ديناً حالاً، بل يقدم قضاء الدين.
4. من يريد الأجر فهو مخير: إن ضحى نال أجر السنة والتصدق، وإن أعطى المال لمن هو في ضرورة قاسية نال أجر الفرض والأفضلية في هذا الوقت بالذات.
خلاصة الرد:
نعم: الفتوى صحيحة في حال الضرورة الإنسانية القصوى (علاج، إيجار يمنع التشرد، قوت يوم).
لكن: لا يصح أن تصبح قاعدة عامة تُلغي فضل الأضحية وشعيرة إراقة الدم في كل عام، ولا أن يُفهم منها أن الصدقة المطلقة تفوق الأضحية دائماً.
الخلاصة: من وجد سعة فله أن يضحي ويتصدق، ومن ضاق عليه الأمر يقدم الواجب (الإنقاذ) إذا كان حالّا على المندوب (الأضحية) وهذا هو عين فقه الأولويات.
والله أعلم بالصواب.