«مفارقة المتسلفين… حين يُجاز التوسل بالبهائم ويُمنع بسيد الخلق ﷺ»


بقلم الشيخ / أحمد السيد السعيد شقرة

(واعظ عام بالأزهر الشريف، وعضو لجنة التحكيم والمصالحات بمحكمة الأسرة).

تابع سلسلة «مفارقات المتسلفين»
«مفارقة المتسلفين… حين يُجاز التوسل بالبهائم ويُمنع بسيد الخلق ﷺ»

من أعجب المفارقات في خطاب بعض المتسلفين الوهابية أنهم ضيَّقوا واسعًا، وشدَّدوا فيما وسَّعه الله، حتى انتهى بهم الأمر إلى منع التوسل بسيدنا رسول الله ﷺ، وآل بيته الأطهار، وصحابته الأخيار، والصالحين من أتباعه… ثم لم يتحرج بعضهم من إجازة التوسل بالبهائم!
وهذه مفارقة تكشف اضطراب المنهج، لا قوة الدليل.

فإن كان التوسل ممنوعًا مطلقًا، فكيف يُجوَّز بالبهائم؟

وإن كان جائزًا، فكيف يُمنع بسيد ولد آدم ﷺ؟!
إن التوسل في حقيقته ليس عبادة للمُتوسَّل به، وإنما هو اتخاذ وسيلة إلى الله، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، فالآية جاءت عامة في طلب الوسيلة، ولم تحصرها في نوع دون نوع، بل كل ما كان سببًا في القرب من الله جاز اتخاذه وسيلة.

ومن أوضح أدلة التوسل في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ، لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾
فهذه الآية صريحة في مشروعية التوسل بسيدنا النبي ﷺ، إذ جعلت المجيء إليه وطلب شفاعته سببًا لنيل المغفرة.

ومن السنة الشريفة:
حديث الأعمى المشهور، أن رجلًا ضرير البصر جاء إلى سيدنا النبي ﷺ، فقال: ادع الله أن يرد علي بصري، فعلمه أن يقول: «اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة…»، ففعل الرجل؛ فرد الله عليه بصره.

وهذا نص واضح في التوسل بسيدنا النبي ﷺ في حياته.

وقد فهم الصحابة ذلك، فكانوا يتوسلون بسيدنا النبي ﷺ، ثم توسّلوا بغيره من الصالحين؛ كما في استسقاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس رضي الله عنه، حيث قال: “اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا.”

فأقر الصحابة ذلك ولم ينكره أحد.

فإذا جاز التوسل بالعباس رضي الله عنه، وهو صحابي جليل، فالتوسل بسيدنا النبي ﷺ أولى وأحرى وأعظم قدرًا.

وإذا جاز التوسل بالصالحين، فكيف يُمنع التوسل بسيدهم وإمامهم؟!

وكذلك دعاء الخروج إلى الصلاة: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا…»

وفيه التوسل بحق السائلين، وهو دليل على جواز التوسل بالحقوق والمقامات.
ومن أعظم الأدلة: حديث الشفاعة العظيم يوم القيامة، حين يذهب الناس إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم السلام، يطلبون الشفاعة، ويتوسلون إلى الله بمقامهم، حتى يأتوا إلى سيدنا النبي ﷺ فيقول:
«أنا لها… أنا لها»، فيشفع عند الله.

وهذا أصل صريح في التوسل بأهل القرب من الله، وطلب الشفاعة منهم، ولم ينكره سيدنا النبي ﷺ، بل أقره وبيَّن أنه حق.

لهذا قرر جمهور الأمة وعلماؤها جواز التوسل، ولم يُعرف المنع المطلق إلا في أقوال حادثة متأخرة.

فقد جرى عمل المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والصوفية على جواز التوسل بسيدنا النبي ﷺ وبالصالحين، مع اتفاقهم أن الفاعل الحقيقي هو الله وحده.

فالتوسل عندهم:
تعظيمٌ لما عظّمه الله،
وتأدبٌ مع أوليائه،
واتخاذُ سببٍ شرعيٍّ للقرب منه،
لا عبادة لغيره، ولا صرفًا للنداء إلى سواه.
إن التضييق في هذه المسألة لم يعرفه جمهور الأمة عبر القرون، بل درج العلماء على جواز التوسل، مع التأكيد أن الفاعل الحقيقي هو الله، وأن المتوسَّل به سببٌ للتقرب لا معبود.

فالخلاصة:
من أجاز التوسل بالبهائم، ثم شدَّد في التوسل بسيدنا النبي ﷺ وآله وصحابته والصالحين، فقد وقع في تناقض ظاهر، لأن التعظيم الشرعي إنما يكون لأهل الفضل والسبق، لا لغيرهم، والوسيلة تُقاس بقدرها وشرفها.

وما أحوجنا اليوم إلى رد الأمور إلى سعة الشريعة، وفهم الأمة عبر القرون، بعيدًا عن تضييقٍ حادثٍ أورث الناس حرجًا، وأثار نزاعًا لا دليل عليه، ولا حاجة إليه.

فاللهم إنا نتوسل إليك بسيدنا محمد ﷺ، وبآله الأطهار، وصحابته الأخيار، وبالصالحين من عبادك، وبحق فاطمة وبعلها وبنيها وبالسر الكامن فيها أن تجمع الأمة على الحق، وأن ترفع عنها الخلاف، وأن ترزقها الأدب مع مقام نبيها، وأن تكفي الأمةَ شرَّ الوهابية والمتسلفين، وأن لا تُمكن لهم إنك سميع الدعاء