أولاد مشايخ السلفية .. حاتم الحويني أنموذجا

بقلم الدكتور : محمد محمود عبد اللطيـف
مدرس مساعد بقسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بأسيوط

من الظواهر الغريبة العجيبة التي توقفت عندها حال أولاد مشايخ السلفية المعاصرة، فقد لاحظت أنهم ورثوا (الدعوة) عن آبائهم، وبالأحرى ورثوا (الشهرة والنجومية)، فراحوا يتمتعون بمكانة آبائهم (الدعوية والعلمية) عند الجماهير دون أن يكون منهم جهد معتبر في تعلم وضبط وإتقان ما صدروا أنفسهم له من الكلام في دين الله، وشرح الكتاب والسنة، والخوض في الإفتاء.

يشيع في السلفية المعاصرة هذا الأمر، وكأن ابن الشيخ لا بد أن يكون شيخا، فأولاد مصطفى العدوي على كثرتهم امتهنوا المشيخة، وأخذوها وراثة، وأولاد الشيخ الحويني كذلك، وصاروا دعاة ومشايخ، ومتكلمين في مسائل الدين كبارها قبل صغارها، وهكذا.

بل تعدى هذا الأمر نطاق الأولاد إلى جميع الأقارب والأصهار، والرخصة الوحيدة التي يملكها المتكلم في دين الله من هؤلاء هي قرابته وموقعه من (الشيخ السلفي).

وغني عن البيان أنه لا شيء في ذلك إن كان سبيله (التحصيل العلمي، والنبوغ في التعلم)، بل يمدح ساعتها ولا يذم بحال، ولا يحرم أحد من حقه في الكلام في العلم إذا حقق الشرط فتعلم بحق، ولا يضيره عندئذ انحراف في منهج قريب له، وليس العلم حكرا على طائفة، ولكنه حكر على (المتقنين) للعلم، والفارق بين الأمرين بين جلي.

صار أولاد مشايخ السلفية المعاصرة دعاة ومشايخ دون تأهل، لا لشيء سوى لقرابتهم وموقعهم من آبائهم نجوم ورموز ومشاهير الدعوة السلفية، والأدهى والأمر والذي يستوجب الذم لهؤلاء المشايخ- غفر الله لهم- أن أولادهم فعلوا ذلك كما نقول: على حياة عينهم!

فقد خاضوا في مسائل الدين الكبار قبل الصغار في حياة آبائهم، وعلى مرأى ومسمع منهم، وبلا نكران من آبائهم، أو إيقاف لهم عند حدهم، والحق أن هذا راجع لأمر أبعد من هذا، راجع إلى أنك تستحق المدح والحمد والثناء والتشجيع والدعم عند مشايخ السلفية المعاصرة لكونك تتكلم في الدين، وتمتهن الدعوة!

فهذا بمجرده كفيل بأن يمرر لك كل شيء ما دمت قد وضعت نفسك وجعلت مظهرك وكلامك في قالب السلفية المعاصرة!

وإذا جاء أحد فاعترض باعتراض ما على داهية تفوه بها أحدهم، فالرد جاهز، فهذا إنسان يجتهد، ويعمل لدين الله، ويدعو الناس، وله دروس، وشرح كتبا!

على عادة القوم من الاعتناء بالكم وإهمال النظر إلى الكيف!

فها هو حاتم الحويني، لم يتقن علما ما، ويتكلم في مسائل الدين ليل نهار، وله جمهور، وحوله أتباع، ورثهم (على الجاهز) من أبيه الشيخ أبي إسحاق الحويني- رحمه الله-، لم يأخذهم بعد رحيل أبيه، وإنما أخذهم على (حياة عينه)، وعلى (مرأى ومسمع) منه، وبخوض في دين الله، وتصدر في الإفتاء (دون تأهل)، والرخصة الوحيدة هي فقط كونه (ابن الشيخ الحويني)، هذا هو الامتياز الوحيد الذي حول حاتم الحويني من (جاهل متعالم) إلى (شيخ عالم)، رأسه برأس أي عمة في العالم، ولو كنت (جدعا) أوقفه!

لا أرى هذا الملحظ في مشايخ وعلماء الأزهر الشريف مع أولادهم، فلم يتصدر أحد من أبناء (شيخ الأزهر) صاحب العمامة الأولى في البلد للمشيخة، وكذلك أقارب (مفتي الجمهورية)، وكذلك أقارب (وزير الأوقاف) مع أن مكانة آبائهم ومناصبهم الدينية الرسمية تسمح لهم، ولم نر كذلك أقارب العلامة أحمد طه ريان، ولا أقارب العلامة أحمد عمر هاشم، وهكذا.

وهذا أيضا راجع لما بين المنهجين الفكريين من اختلاف، فالسلفية والأزهرية بينهما من الفوارق ما لا يخفى، ولعل هذا أحد هذه الفوارق، ففي الوقت الذي يفرح السلفي المعاصر بمجرد كلام ولده في دين الله دون نظر إلى تأهل، ترى الأزهري الحق لا يسمح لولده بالكلام في دين الله بلا ضبط.