أحداثٌ ما قبل المعركة

المقال السادس من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).

فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن

الباحث فى الشئون الاسلامية

 

نهي الرسول المسلمين عن قتل بعض أفراد من جيش قريش :

ما تعرفه القيادة وتخطط له وتدبره لا يعرفه عامة الناس وأفراد الجند؛ فقد يكون في جيش العدو أهل ولاء للقائد ولأتباعه، أو عيون له استبقاهم في صف العدو، ليزودوه بالأخبار، وليخذلوا عنه ما استطاعوا، وليس من مصلحة القيادة أن تفصح عن حقيقتهم لئلا يتسرَّب الأمر إلى العدو فتفسد الخطة، ويصيب أهل الولاء من العدو بلاء. وقد يكون في صف العدو من له سابقة خير، ولا شر منه ويمكن أن يكون عنصرًا مفيدًا في المستقبل، فمن الخير أن تصنع له حماية مكافأة على ما كان منه من خير. لهذا ولنحوه نهى الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين يوم بدر عن قتل بعض أفراد في جيش قريش. فقد روى ابن إسحاق عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: (إني عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهًا لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرهًا). وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد هاجر يوم هاجر وهو راضٍ عن عمه العباس، قال أبو رافع – مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلامًا للعباس، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمَت أم الفضل، وأسلمْتُ، وكان العباس يكتم إسلامه. وبنو هاشم آزروه ونصروه وتحملوا من أجله مقاطعة قريش لهم، وانحصروا في الشعب من أجله ثلاثة أعوام، حتى جهدوا وأكلوا ورق الشجر. وكان أبو البختري العاص بن هاشم أكف القوم عن رسول الله ﷺ وهو بمكة، وكان لا يؤذيه، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب.

وسمع المسلمون نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل هؤلاء النفر، وغاب عن بعضهم أن ما تعرفه القيادة ولا تريد أن تفصح عنه لا يعرفه عامَّة الناس. فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لألجمنَّه السيف”. فبلغت هذه الكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب: (يا أبا حفص، أيضرب وجه عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف). قال عمر: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسَّيْف، فوالله لقد نافق، فأبَى رسول الله، وغفر له ما بدر منه. وقال عمر: والله، إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ﷺ بأبي حفص.

وتراجع أبو حذيفة عن مقالته، وتاب منها، وكان يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا، إلاَّ أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدًا.

وأما أبو البختري العاص بن هشام فقد لقيه من المسلمين في المعركة المجذر بن زياد البلوي حليف الأنصار. فقال المجذر لأبي البختري: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن قتلك. وكان مع أبي البختري زميل له “أي: يركب معه على بعير واحد” قد خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مليحة بنت زهير من بني ليث. فقال أبو البختري: وزميلي؟  فقال له المجذر: لا والله، ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك. فقال أبو البختري: لا والله، إذن لأموتن أنا وهو جميعًا، لا تتحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصًا على الحياة. ونازله المجذر وقاتله حتى قتله.  ثم إن المجذر أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “والذي بعثك بالحق، لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به، فأبى إلاَّ أن يقاتلني، فقاتلته، فقتلته”.

استهزاء جنود قريش بجنود المسلمين :

وقال ابن عائذ وقال رجال من المشركين لما رأوا قلة أصحاب رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم: غر هؤلاء دينهم، منهم: أبو البختري بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وذكر غيرهم لما تقالُوّا رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم في أعينهم، فأنزل اللهّٰ تعالى “إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ ” الانفال الآية 49  ، حتى نزلوا وتعبؤا للقتال والشيطان معهم لا يفارقهم.

أحداثٌ قبل المعركة:  

قبل المعركة طلب النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه أن يتعادّوا فكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر فقال: عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسوّي الصفوف بعودٍ وكان سواد بن غزية مستنسل –خارج- من الصف، فأشار النبي عليه بالعود في صدره قائلًا: استو يا سواد، فقال سواد: أوجعتني يا رسول الله وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقِدني منك يا رسول، أي أعطني حقي فكشف النبي صلى الله عليه وسلم له عن صدره …

فهل هذا الموقف يحصل في الجيش الآن بين جندي وقائد أيًا كانت رتبته؟ لن أقول لك: لواء أو مشير هل هذا من الممكن أن يحصل؟ لكن هذا الحدث حصل في التاريخ مع الرسول عليه الصلاة والسلام، حصل مع قائد الدولة بكاملها، كشف عن بطنه وقال: (استقد)، خذ حقك … اضرب، لكن سواداً اعتنقه وقبل بطن الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله! قد حضر ما ترى -أي: حضر أمر القتال والحرب- فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك) فدعا له صلى الله عليه وسلم بخير.

ولم يمت سواد في بدر، لكنه لفت أنظارنا إلى صفة أصيلة من صفات الجيش المنصور، هذه الصفة هي تلاحم القائد مع شعبه وانصهاره فيه، فالجيش المنصور لا فرق فيه بين قائد وجندي، والأمة المنصورة لا فرق فيها بين حاكم ومحكوم، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار في بيعة العقبة الثانية: (أنا منكم وأنتم مني)، وقد رأينا هذا الأمر قبل ذلك في مكة، وفي قصة بناء المسجد النبوي، ورأيناه الآن في كل خطوات بدر، وسنراه كثيراً من أول لحظات الخروج من المدينة إلى بدر، فقد كان الصحابة يتناوبون على الإبل لقلة عددها، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام وهو قائد الجيش يتناوب في الركوب مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومرثد بن أبي مرثد رضي الله عنه، وفي رواية: مع أبي لبابة رضي الله عنه. وأثناء السفر قال الصحابيان للرسول ﷺ نحن نمشي عنك، فانظر إلى رد الرسول عليه الصلاة والسلام: (ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما)

 فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم يريد أجر المشي في سبيل الله، وهذا التصرف يزيد من حماسة الجند، وذلك عندما يجد القائد معه في كل خطوة من مشاكله وتعبه وسعادته وحزنه، ليس هناك ترفع ولا كبر ولا ظلم ولا كراهية، أما الآن في بعض الدول الإسلامية يكون هناك ألف حاجز بينك وبين الزعيم لابد أن تجتازها، حتى تستطيع أن تصل إليه، بل من المستحيل غالباً أن تتجاوز التسعمائة حاجز الأخيرة. فهذه مشكلة لو حصلت في أمة ليس من الممكن أن تنتصر أبداً، ولتراجعوا معي سيرة زعماء الأمة الذين حصل في زمنهم نصر وتمكين وعزة، فإنك ستجد اختلاطاً كاملاً من القائد مع الشعب، كـ صلاح الدين الأيوبي، وقطز، وعبد الرحمن الناصر، وموسى بن نصير، ويوسف بن تاشفين وغيرهم كثير.فلتراجعوا تاريخ الأمة، فإنكم ستجدون هذه الأشياء واضحة مثل الشمس، وعلى النقيض تماماً كل لحظات الانهيار والتردي في حالة الأمة تكون مصحوبة بعزلة الحاكم عن الشعب. عن أبي مريم الأزدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ولاه الله عز وجل شيئاً من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلته وفقره). رواه الترمذي وأبو داودِ