مَثَابَةُ الْأَرْوَاحِ.. رِحْلَةُ الْعِشْقِ إِلَى رِحَابِ النُّورِ الْمُحَمَّدِيِّ


بِقَلَمِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ أَحْمَدُ إِسْمَاعِيلُ الْفَشْنِيُّ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْقُلُوبَ تَهْفُو إِلَى مَدِينَةِ نَبِيِّهِ ﷺ كَمَا يَهْفُو الطَّيْرُ إِلَى أَوْكَارِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَرَّفَ الْأَرْضَ بِوَطْءِ قَدَمَيِ الْمُصْطَفَى ﷺ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، الَّذِي كَانَتِ الْمَدِينَةُ بِمَقْدَمِهِ شَمْسًا لَا تَغِيبُ، وَنُورًا لَا يَخْبُو، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَيِّدِنَا الصِّدِّيقِ وَسَيِّدِنَا عُمَرَ وَسَيِّدِنَا عُثْمَانَ وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَآلِ الْبَيْتِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، وَبَعْدُ؛

أولاً: حَيْثُ يَتَوَقَّفُ الزَّمَانُ وَتَبْدَأُ الْحَيَاةُ
إِنَّ الزِّيَارَةَ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ طَيٍّ لِلْمَسَافَاتِ، بَلْ هِيَ خُرُوجٌ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ. حِينَ تَطَأُ قَدَمُكَ أَرْضَ الْمَدِينَةِ، تَشْعُرُ بِأَنَّ نَسِيمًا غَرِيبًا يَمَسُّ رُوحَكَ، نَسِيمٌ لَيْسَ كَكُلِّ الْهَوَاءِ، إِنَّهُ عَبَقُ مَكَانٍ لَمْ يَمْشِ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرُ الْخَلْقِ. هُنَاكَ، عِنْدَ جُدْرَانِ الْمَسْجِدِ، تَشْعُرُ بِأَنَّكَ تَتَنَفَّسُ مَاضِيًا حَيًّا، مَاضِيًا رَأَى سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَدْخُلُ، وَيَخْرُجُ، وَيَبْتَسِمُ، وَيُعَلِّمُ، وَيَكْسُو الْأَيْتَامَ، وَيَرْحَمُ الضُّعَفَاءَ. هَذَا الْمَكَانُ يَمْتَلِكُ قُدْرَةً عَجِيبَةً عَلَى غَسْلِ هُمُومِ السَّنَوَاتِ مِنْ قَلْبِكَ فِي لَحَظَاتٍ.

ثانياً: أَنْوَارُ النَّبِيِّ ﷺ.. حِينَ يَتَحَوَّلُ الْبَاطِنُ إِلَى مِرْآةٍ لِلنُّورِ
يَسْأَلُ الْعَاشِقُونَ: أَيْنَ هُوَ نُورُ النَّبِيِّ ﷺ؟ نَقُولُ: النُّورُ هُنَا لَيْسَ ضَوْءًا مَحْسُوسًا تَلْتَقِطُهُ الْعُيُونُ، بَلْ هُوَ طُمَأْنِينَةٌ تَلْتَقِطُهَا الْقُلُوبُ. إِنَّ مَنْ دَخَلَ الرَّوْضَةَ الشَّرِيفَةَ بِقَلْبٍ مُنْكَسِرٍ، بِعَيْنٍ تَذْرِفُ الدَّمْعَ، وَبِنَفْسٍ مُشْتَاقَةٍ، شَعَرَ بِمَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ}. إِنَّ هَذَا النُّورَ هُوَ طَوْقُ النَّجَاةِ لِلْغَارِقِينَ فِي فِتَنِ هَذَا الزَّمَانِ. كُلُّ رُكْنٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَحْكِي قِصَّةَ رَحْمَةٍ نَزَلَتْ، أَوْ دَمْعَةِ تَوْبَةٍ قُبِلَتْ، أَوْ دُعَاءٍ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ فَمَا رُدَّ خَائِبًا.

ثالثاً: آدَابُ الدُّخُولِ عَلَى الْحَبِيبِ.. قَوَاعِدُ الْعِشْقِ
إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعِيشَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ فِي هَذِهِ الْبِقَاعِ، فَعَلَيْكَ بِأَدَبِ الضَّيْفِ الْفَقِيرِ:
ادْخُلْ بِقَلْبٍ طَاهِرٍ، فَأَنْتَ لَا تَدْخُلُ مَكَانًا عَامًّا، بَلْ تَدْخُلُ بَيْتَ مَنْ شَفَعَ لَكَ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
خَفِّضْ صَوْتَكَ، فَالْهَيْبَةُ هُنَا فَرْضٌ عَلَى كُلِّ لِسَانٍ، وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ}.

تَجَرَّدْ مِنْ كِبْرِيَائِكَ عِنْدَ الْبَابِ، وَادْخُلْ كَطِفْلٍ يَبْحَثُ عَنْ أَبِيهِ، مُنْكَسِرًا، مُحِبًّا، وَمُعْتَرِفًا بِتَقْصِيرِكَ.

رابعاً: مَوَاقِفُ تَنْبِضُ بِالْوَفَاءِ
كَانَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يَسْمَعُ رَجُلَيْنِ يَرْفَعَانِ أَصْوَاتَهُمَا، فَيَقُولُ لَهُمَا فِي هَيْبَةٍ: “لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا ضَرْبًا، أَتَرْفَعَانِ أَصْوَاتَهُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟”.

وَالْإِمَامُ مَالِكٌ (رَحِمَهُ اللَّهُ) كَانَ إِذَا ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَتَجَمَّدَتْ حَرَكَاتُهُ، وَانْحَنَى ظَهْرُهُ؛ كَأَنَّهُ يَرَى النَّبِيَّ ﷺ أَمَامَهُ. هَذِهِ الْهَيْبَةُ لَمْ تَكُنْ خَوْفًا، بَلْ كَانَتْ عِشْقًا يَصِلُ بِالْمَرْءِ إِلَى ذُرْوَةِ الْأَدَبِ مَعَ الْحَبِيبِ ﷺ.

خامساً: أَنْوَارُ الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ.. بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ
لَا تَبْحَثْ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ مَكَانٍ لِتَجْلِسَ فِيهِ، بَلِ ابْحَثْ عَنْ قَلْبٍ تَتْرُكُهُ فِيهِ. تِلْكَ الْبُقْعَةُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي قَالَ عَنْهَا ﷺ: “مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ”، هِيَ فُرْصَةُ الْعُمْرِ لِتُصَفِّيَ حِسَابَاتِكَ مَعَ نَفْسِكَ. صَلِّ فِيهَا، وَاجْعَلْ صَلَاتَكَ سِتْرًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ كُلِّ ذَنْبٍ اقْتَرَفْتَهُ، وَأَكْثِرْ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَكُلُّ صَلَاةٍ تَنْطِقُ بِهَا هُنَاكَ يَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْكَ بِرَحْمَةٍ تَغْمُرُ كَيَانَكَ.

سادساً: الْعَوْدَةُ.. كَيْفَ نَحْمِلُ الْمَدِينَةَ مَعَنَا؟
الْمُعْضِلَةُ الْكُبْرَى أَنَّنَا نُغَادِرُ الْمَدِينَةَ بِأَبْدَانِنَا، وَلَكِنَّنَا نَتْرُكُ قُلُوبَنَا هُنَاكَ. كَيْفَ نَعُودُ؟
كُنْ خَيْرَ النَّاسِ لِأَهْلِكَ كَمَا كَانَ ﷺ، فَالْمَدِينَةُ مَدْرَسَةُ الرِّفْقِ وَالْأَخْلَاقِ.
احْمِلْ مَعَكَ خُلُقَ الصَّبْرِ، وَكَرَمَ النَّفْسِ، وَلِينَ الْجَانِبِ.

ابْنِ فِي بَيْتِكَ مَسْجِدًا نَبَوِيًّا صَغِيرًا؛ بِذِكْرِكَ، بِصَلَاتِكَ، بِرَحْمَتِكَ، بِصِدْقِكَ. فَإِنَّ مَنْ أَدْمَنَ الْعَيْشَ فِي نُورِ الْمَدِينَةِ، لَا يَسْتَطِيعُ بَعْدَهَا أَنْ يَعِيشَ فِي ظَلَامِ الْمَعَاصِي.

خِتَامًا:يَا رَبِّ، إِنَّ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ قَدْ بَلَغَ بِهَا الشَّوْقُ مَبْلَغَهُ، فَلَا تَحْرِمْنَا مِنْ هَذَا الْقُرْبِ، وَلَا تَجْعَلْ هَذِهِ الزِّيَارَةَ هِيَ الْأَخِيرَةَ. يَا رَبِّ، كَمَا أَكْرَمْتَنَا بِالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّكَ ﷺ فِي الدُّنْيَا، اجْعَلْنَا مِنْ جِيرَانِهِ فِي الْجَنَّةِ، يَا مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ.

وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالهِدَايَةُ – كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَدُ إِسْمَاعِيلُ الْفَشْنِيُّ. المدينه المنوره في ٢١ مايو ٢٠٢٦ ميلادي – ٤ ذو الحجه ١٤٤٧ هجري