التراث الإسلامي بين تمسك الأصوليين وتفريط الحداثيين


د : مهدي المعاملي
الأزهر الشريف – وزراة الأوقاف المصرية

مما لاشك فيه أنه ما من أمة من الأمم أو شعب من الشعوب إلا ويفخر بتاريخه وحضارته , ويسعى سعيًا حثيثًا لكشف مناقب أسلافه من العلماء الذين ساهموا في ترسيخ هذه الحضارة , وصنع مقومات نجاحها , مهما اختلف فكر القدامى عن المحدثين , أوحتى أصبح فكر السابقين مجموعة من الخرافات العلمية من وجهة نظر العلم الحديث ولك أن تتثبت ذلك إذا نظرت إلى مدى اهتمام اليونانيون بالحضارة اليونانية القديمة التي امتزجت ح بالأساطير والخرافات لتفسير الظواهر الطبيعية والوجود والتي تعتبرها الحضارة الحديثة إرثاً ثقافياً وأدبياً ملهماً، فقد تجاوزت هذه الخرافات علمياً، مع الاحتفاظ بها كرموز فنية وفلسفية خالدة.

و من وجهة نظري المتواضعة التي قد يرفضها القارئ الكريم أو يقبلها أقول: إذا كنّا أمة كتب علينا أن نعيش حاضرًا مؤلمًا يتسم بالإخفاق العلمي , والتخلف الحضاري , ومستقبل مجهول لانستطيع تحديد معالم نجاحه , فأولى بنا أن نتمسك بماضٍ مشرق تركه لنا رجال وهبوا حياتهم لخدمة هذا الدين , وهذه العروبة, وخلفوا من ورائهم تاريخًا نفخر به.

ونحن بين مفترق الطرق فإما أن نلقي عن عاتقنا كل ماسبق وهذا ضرب من الخبل , أو نبقي عليه دون تجديد وهذا ضرب من التعسف , والعقل يقول أنّه من الواجب علينا أن نضع الماضي بين أيدينا وننظر إليه بعين التقدير والاحترام , ونستلهم منه المستقبل دون تبديد أوتضييع لأصوله وثوابته.

وهذا ماننشده _ نحن الأزهريين _ ومانؤمن به ونسعى جادين إليه , دون نظر إلى مايقال من هذه السلة المتنطعة التي تريد إهمال تراثنا وتغيير ثوابتنا, وهذه السلة المتحجرة التي لا تريد أن تتعايش مع الواقع الجديد.

إن الطريق إلى رسم ثقافتنا العربية الإسلامية الجديدة يتطلب منّا أن نعيد قراءة كتب التراث من جديد ,لا للنقدها وننظر إليها بعين الاحتقار والتقليل , وإنما لنستخرج من أصولها ما يتماشى مع حاضرنا , ويغنينا في مستقبلنا محققين بذلك همزة الوصل بين القديم الساكن والواقع المتغير.

وإني لأعجب كل العجب من هؤلاء الذين يطالبون بإسقاط جهود المحدثين والفقهاء وطمس معالم منهاجهم العلمية , وفي نفس الوقت يرددون مصطلحاتهم وقواعدهم التي قرروها , ومن ذلك أنّ أحدهم ينادي بعدم الأخذ من الأحاديث النبوية إلا المتواتر منها , وآخر ينادي بحذف بعض الأحاديث الضعيفة , وآخر ينتقد مادونه الإمام البخاري معللًا لذلك أنها أحاديث سندها ضعيف , فبالله عليك قلي : من أين عرفت المتواتر , والآحاد , والضعيف ؟ من قرر هذه المصطلحات وضبطها؟, ووضع شروطها وشرط قبولها أو رفضها ؟ , أليس هؤلاء الذين تنادي بطمس علومهم وكتبهم؟.

وهذا الذي يطالب بتفسير جديد للقرآن يتماشى وروح العصر, من أين ستأتي بأسباب النزول ؟ وقواعد التفسير , والمنقول من المأثور الذي فُسرت به هذه الأحاديث ؟, سيقول لك : لاحاجة لي بذلك يكفيني العقل في فهم القرآن , نقول له : وإلى أي عقل تريد منّا أن نحتكم إليه عقلك أم عقولنا ؟ , إن العقول تختلف باختلاف الملكات والثقافات , وفهم كل إنسان يختلف عن الآخر , طبقًا لإدركه وعلمه وملكاته , فلو أننا أبحنا لكل عقل أن يقرر أو يفتي فلن نصل إلا إلى أمرٍ من اثنين : أنّ تتفق طائفة على الإنكار المطلق وهذا هو الكفر بعينه , وأن تتفق طائفة أخرى على فهم النصوص دون تأويل وتأخذها كما هي دون فهم فيفضي ذلك بنا إلى الإرهاب كما يجب , وهكذا يضيع الدين بين مفرط فيه إلى حد الجنون العقلي , ومتمسك به إلى حد التخلف العقلي , ولعل هذا الذي أقوله قد ظهرت بوادره وأصبحنا نعاني منه .

إذًا فلنعكف على ماتركه السابقون نستقي منه كل جديدٍ نافع , ونعيد النظر فيما اختلفنا فيه لنتوافق , وننحي جانبًا مالاينفعنا الآن لعلنا نحتاجه غدا , فهو في كتبنا متى رجعنا إليه.

والله أعلى وأعلم