خطبة بعنوان ( قيمة الاحترام – ودروس من ليلة الاسراء والمعراج ) للشيخ رضا الصعيدى
العناصر :
1-معنى الاحترام ومجالاته .
2- الجناب النبوي المعظم والتطبيق العملي للاحترام.
3-ربط الموضوع بجلال المناسبة .
الحمدُ للهِ حمدًا يليقُ بجلالِه وعظيمِ سلطانِه، نحمدُه على ما أنعمَ وأعطى، ونشكرُه على ما وفَّقَ وهدى، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا محمد، خيرِ من بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وعلى آله وصحبِه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمّا بعد:
تنبيه هام : أخي الامام خذ ما يكيفيك في حدود المتاح لك من الوقت وما يناسب التعليمات ، وما بقي فاجعله في دروسك .
جاء في زاد الخطباء ما يلي :
إن الاحترام ليس كلمةً تُقال، ولا مظهرًا يُتَصنَّع، بل هو خُلُقٌ عظيم يسكن القلوب قبل أن يظهر في السلوك، ودليلُ إنسانٍ عرَفَ قدر نفسِه فلم يُهِنها، وعرَفَ حقَّ غيره فلم يَظلمه، هو حفظُ الحدود، وصيانةُ الكرامة، وتوقيرُ الإنسان للإنسان، قولًا صادقًا، وفعلًا مستقيمًا، وسلوكًا نقيًّا.
والاحترام ثمرةُ إيمانٍ حيٍّ، وعلامةُ قلبٍ سليم؛ قلبٍ أقامه الله على العدل، وربّاه على حسن الأدب، وطهَّره من الأذى، وشرَّفه بحفظ الكرامة، فحيث يسكن الإيمان، يولد الاحترام، وحيث يغيب، تضيع القيم وتنهار المعاني.
وليس الاحترامُ في ميزان الإسلام خُلُقًا انتقائيًّا، ولا شرفًا يُمنح لفئةٍ ويُحجب عن أخرى، بل هو حقٌّ عامٌّ لكل إنسان، لأن الله كرَّمه بخَلقه، بل لكل كائنٍ في هذا الوجود، لأن في احترامه تعظيمًا لأمر الله.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» [رواه الترمذي].
إن أولى الناس بالأدب والاحترام هم الأب والأم، فالسعيد من وُفِّق لاحترام والديه والإحسان إليهما، قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَیۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ﴾ [الإسراء: ٢٣].
وقال ابن قتيبة رحمه الله: قيل لعمر بن ذرّ: كيف كان برّ ابنك بك؟ قال: “ما مشيت نهارًا قط إلا مشى خلفي، ولا ليلًا إلا مشى أمامي، ولا رقي سطحًا وأنا تحته” [عيون الأخبار].
وإنك إن احترمت “كبار السن” سيُسخِّر الله تعالى لك من يحسن إليك في عجزك وشيخوختك، والجزاء من جنس العمل؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ» [رواه الترمذي].
وكان بعض المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تُذهب بركة علمه مني.
وقال الربيع صاحب الشافعي رحمهما الله: ما اجترأتُ أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبة له.
روى ابن ماجة عن سيدنا رسول الله ﷺ قال: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ الله لَكَ تَكُنْ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُؤْمِنِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِ بَيْتِكَ، وَاكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِ بَيْتِكَ تَكُنْ مُؤْمِنا، وَجَاوِرْ مَنْ جَاوَرْتَ بِإِحْسَانٍ تَكُنْ مُسْلِمًا، …».
وعن عِكْرِمَةَ -أيضًا- قال: «لَا يَعِيبَنَّ أَحَدُكُمْ دَابَّتَهُ وَلَا ثَوْبَهُ، فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» [رواه ابن جرير في “جامع البيان”].
الجناب النبوي المعظم والتطبيق العملي للاحترام:
لقد جسَّد النبيُّ صلى الله عليه وسلم خُلُقَ الاحترام واقعًا حيًّا يراه القاصي والداني، ويحتذي به الكبير والصغير، فلم يكن خُلُقًا يُتداول في الأقوال، ولا موعظةً تُلقى بالألسن، بل كان فعلًا ناطقًا، وسلوكًا صادقًا، وترجمةً عمليةً لما دعا إليه وعلَّم به، فاجتمع له كمال القول وصدق العمل، حتى صار خُلُقه رسالةً تمشي على الأرض، ونورًا يهتدي به كلُّ من ابتغى طريق الكرامة والإنسانية.
ولما سُئلت أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها عن خُلُق رسول الله ﷺ، لم تُطِل وصفًا، ولم تَستكثِر عبارة، بل لخَّصت الكمال كلَّه في كلمةٍ جامعة، فقالت: «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ» [رواه أحمد]؛ أي: كان قرآنًا يمشي على الأرض، تُرى آياتُه في حركته وسكونه، وتُلمَس معانيه في رحمته وتواضعه واحترامه للإنسان، ثم استشهدت بقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِیمࣲ﴾ [القلم: ٤]، لتقرر أن هذا الخُلُق العظيم لم يكن ادعاءً ولا وصفًا نظريًّا، بل حقيقةً شهد بها الوحي، وصدَّقتها المواقف.
ولنا أن نضيف في دروسنا بما يتواصل ويتناسب مع فكرة موضوعنا عن الاحترام مع جلال مناسبة الاسراء والمعراج ما يلى :
توقير رسول الله :
ان الله عز وجل قد أخذ العهد والميثاق على جميع الأنبياء والمرسلين من لدن آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام، أنه إذا ظهر النبي صلى الله عليه وسلم في عهده وبعث أنه سيؤمن به ويتبعه، ولا تمنعه نبوته من أن يتابع نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم، وكل نبي أخذ العهد والميثاق على أمته أنه لو بعث محمد بن عبد الله فيهم أن يتابعوه عليه الصلاة والسلام، لا يتبعون نبيهم بل يتبعون محمداً عليه الصلاة والسلام إذا ظهر فيهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران:81]….ولذلك وجدنا الأنبياء في الليلة المباركة يصلون خلفه ولا يتقدم نبي عليه .
رفع الله ذكره وأعلى شأنه:
قال تعالى : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } – سورة الشرح1-4.
لم يقسم الله بنبي غيره صلى الله عليه وسلم:
من خصائصه عليه الصلاة والسلام: أن الله أقسم به ولم يقسم بنبي غيره، فقال عز وجل: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72] فأقسم الله بالنبي عليه الصلاة والسلام في قوله لعمرك، ومعنى لعمر: قسم بحياته عليه الصلاة والسلام، يقسم بعمره وحياته وبقائه، فكأنه يقول: وحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا، لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72].
مخاطبة الله له بالنبوة والرسالة لا باسمه صلى الله عليه وسلم :
ثم لاحظ أيضاً من الخصائص النبوية: أن الله تعالى خاطب الأنبياء بأسمائهم، ولم يخاطب نبينا عليه الصلاة والسلام باسمه، يناديهم بأسمائهم، فقال: يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [البقرة:35].. قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا [هود:48] .. قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ [الأعراف:144] .. … يا إبراهيم * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [الصافات:104-105] .. يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ [المائدة:110] في آيات كثيرة، وأما نبينا عليه الصلاة والسلام فلم يناده ربه ولا مرة: ( يا محمد! ) لكنه ناداه وخاطبه بالنبوة والرسالة، فقال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ [المائدة:41]، وقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64].
وجوب الصلاة عليه إذا ذكر:
وذلك لأمر الله –تعالى- بالصلاة عليه، ولأمره صلى الله عليه وسلم أمته بالصلاة عليه، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ومنها قوله: “”البخيل من ذُكرت عنده فلم يُصلِّ عليّ“–صحيح ابن حبان: (909) .
غفر الله للنبي – صلى الله عليه وسلم- له ما تقدم من ذنبه وما تأخر:
وهو عليه الصلاة والسلام الوحيد الذي أخبر بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كل الأنبياء يوم القيامة يقولون: نفسي نفسي، كل واحد يذكر ذنباً؛ آدم يذكر خطيئته، ونوح يذكر دعوته على قومه، وموسى يقول: قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها، وإبراهيم يقول: كذبت ثلاث كذبات، أما النبي عليه الصلاة والسلام فلا يقول شيئاً لأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح:1-2].
وزكاه في علمه فقال: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) “النجم: 5″، وزكاه في صدقه فقال: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) “النجم: 3″، ثم أعطاه البشارة الكبرى والنعمة العظمي حيث زكاه كله فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم) “القلم: 4”.
احترام الكون وتوقيره لرسول الله ليلة الاسراء والمعراج :
توقيره بتجهيز البراق له :
” البراق ” هو الدابة التي ركبها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج ، قال النووي رحمه الله : “قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْبُرَاقُ: اسْمُ الدَّابَّةِ الَّتِي رَكِبَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، قَالَ ابن دُرَيْدٍ: اشْتِقَاقُ الْبُرَاقِ مِنَ الْبَرْقِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، يَعْنِي لِسُرْعَتِهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِشِدَّةِ صَفَائِهِ وَتَلَأْلُئِهِ وَبَرِيقِهِ، وَقِيلَ: لِكَوْنِهِ أَبْيَضَ ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ ذَا لَوْنَيْنِ، يُقَالُ شَاةٌ بَرْقَاءُ، إِذَا كَانَ فِي خِلَالِ صُوفِهَا الْأَبْيَضِ طَاقَاتٌ سُودٌ، قَالَ: وَوُصِفَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ أَبْيَضُ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ نَوْعِ الشَّاةِ الْبَرْقَاءِ، وَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي الْبِيضِ ” .
فلقد كان لسان الحال وهو يدعوه الى الملأ الأعلى : يا محمد إن كان موسى أراد فأنت المراد وإن كان موسى أحب فأنت المحبوب وان كان موسى طلب فأنت المطلوب وانت القريب وانت الحبيب.
تأخر الأنبياء له ليكون امام بهم جميعا :
قال تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمه ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقرتم وأخذتم على ذلك إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين.. وحتى يتحقق ذلك العهد يقينا ومعاينة لتتم شهادتهم ويتأكد إقرارهم به جمعهم الله سبحانه فى وقت واحد ومكان واحد ليشهدوا ويبايعوا ويقروا باتباعهم له وإيمانهم به ، ويصفوا من خلفه ليتقدمهم أماماً فى الشهادة والحضور ، كما أقروا به فى الغيب ـ وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون) صححه الألباني في صحيح الجامع، قال القرطبي: “فإن قيل: كيف يصلون بعد الموت وليس تلك الحال حال تكليف؟ فالجواب: أن ذلك ليس بحكم التكليف، وإنما ذلك بحكم الإكرام لهم والتشريف ، قال امير الشعراء احمد شوقي:
أسـرى بك الله ليلا إذ ملائكة والرسل في المسجد الأقصى على قدم
لما خطرت بهم التفوا بسـيده **كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم
صلى وراءك منهم كل ذي خطر **ومن يفز بحـبـيـب الله يأتم
حتى بلغت سماء لا يطـار لها **على جناح ولا يسـعى على قدم
وقـيل كل نبـي عند رتبـته؟ **ويا محمد هــذا العرش فاستلم
وقوف البراق اكثر من مرة في الطريق ليرى ويشاهد ويعيش أجواء الأراض المباركة،
لقد كانت الرحلة أشبه بما نراه في ضيق الدنيا ما يحصل مع الملوك والرؤساء من رؤية المعالم الحضاريه للبلاد ووقوف الموكب أكثر من مرة عندها اكراما واجلالا للضيف :
لكن رؤية المعالم للضيف هنا مختلفة ، لقد كانت اكراما له ، فحين يروي عن السمعيات والدار الأخرة فتكون في حقه أمور يقينية مشاهدة بعينه ، الكثير من الناس لا يعلم أن النبى الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وطأت أقدامة الشريفة أرض مصر أكثر من مرة وجاءت زيارته الأولى الى أرض الكنانة قبل أن تأتية الرسالة وذلك أثناء قيامه برحلات التجارة.
والتي تعرف برحلتي الشتاء والصيف ومن خلال هذة الزيارة أحب مصر حبا جما وأحتلت مكانة مميزة فى قلبة ووجدانه الكريم وأما زيارة الثانية فكانت فى أرض سيناء أثناء رحلة الإسراء والمعراج والتي أسرى الله بها بحبيبه المصطفى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
ثم عرج به إلى السماء ونزل النبي في خمسة أماكن مع سيدنا جبريل علية السلام هم يثرب ومدين وطور سيناء وبيت لحم وقبر موسى وصلى فيهم وعن حديث صحيح أورده البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال أن النبي محمد صلي الله عليه وسلم قال فركبت ومعي جبريل فسرت؛ فقال انزل فصلّ؛ ففعلت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجر ..ثم قال: انزل، فصلّ فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطور سيناء .. حيث كلّم الله عز وجل موسي عليه السلام؛ ثم قال: انزل فصل؛ فنزلت فصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت في بيت لحم، حيث ولد عيسي عليه السلام وجاء في السيرة النبوية لأبي العزائم، أن هذا دليل على أن النبي الكريم زار أرض مصر وتحديدا فى سيناء ليلة الإسراء عندما زار طور سيناء وصلى عليها.
يقول فضيلة الشيخ عطية صقر – رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر : من الآيات التي رآها النبي (صلى الله عليه وسلم) في ليلة الإسراء ما رواه البزَّار والطبراني والبَيْهقي وصحَّحه في كتابه “دلائل النبوة” من حديث شداد بن أوس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما أُسرِي به مرَّ بأرض ذات نخْل، فأمره جبريل أن ينزل من فوق البُراق ليصلِّي، فصلَّى ثم أخبره أن المكان الذي صلى فيه هو يثرب أو طيبة، وإليها المهاجر، ثم أمره أن يصلِّي عندما مر بمُدَّين عند شجرة موسى، وهي التي استظل بها بعد أن سقى الغنم للمرأتين قبل أن يلتقي بأبيهما – كما قال بعض الشُّراح- ولمَّا مرَّ الركْب بطُور سَيْناء أمره أن يصلِّي أيضًا، وذلك حيث كلَّم الله موسى، وعند المرور ببيت لحم صلَّى أيضًا، وذلك حيث وُلِد عيسى ابن مريم. هذا ما ورد بطريق صحيح كما ذكره البيهقي ولم أرَ حديثا صحيحًا عن صلاته في غير هذه الأماكن.
ومن عجائب ما رأى الرسول في إسراءه:
1- الدنيا : رءاها بصورة عجوز . 2- إبليس : رءاه متنحياً عن الطريق . 3- قبر ماشطة بنت فرعون وشمَّ منه رائحة طيبة . 4- المجاهدون في سبيل الله : رءاهم بصورة قوم يزرعون ويحصدون في يومين . 5-خطباء الفتنة : رءاهم بصورة أناس تُقْرَضُ ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار. 6- الذي يتكلم بالكلمة الفاسدة: رءاه بصورة ثور يخرج من منفذ ضيق ثم يريد أن يعود فلا يستطيع . 7- الذين لا يؤدّون الزكاة :رءاهم بصورة أناس يَسْرَحون كالأنعام على عوراتهم رقاع . 8- تاركو الصلاة : رأى قوماً ترضخ رءوسهم ثم تعود كما كانت ، فقال جبريل : هؤلاء الذين تثاقلت رءوسهم عن تأدية الصلاة . 9-الزناة : رءاهم بصورة أناس يتنافسون على اللحم المنتن ويتركون الجيد . 10-شاربو الخمر: رءاهم بصورة أناس يشربون من الصديد الخارج من الزناة . 11-الذين يمشون بالغيبة : رءاهم بصورة قوم يخمشون وجوههم وصدورهم بأظفار نحاسية
أما المعراج فهو ثابت بنص الأحاديث الصحيحة ، أما القرءان فلم ينص عليه نصاً صريحا من عجائب ما رأى الرسول في المعراج وحصل له:
1-مالك خازن النار: ولم يضحك في وجه رسول الله .فسأل جبريل لماذا لم يرهُ ضاحكاً إليه كغيره . فقال: إن مالكاً لم يضحك منذ خلقه الله تعالى ، ولو ضحك لأحد لضحك إليك. 2- البيت المعمور : وهو بيت مشرف في السماء السابعة وهو لأهل السماء كالكعبة لأهل الأرض ، كل يوم يدخُلُهُ سبعون ألف ملكٍ يصلون فيه ثم يخرجون ولا يعودون أبداً . 3- سدرة المنتهى : وهي شجرة عظيمة بها من الحسن ما لا يصفه أحد من خلق الله ، يغشاها فَراشٌ من ذهب ، وأصلها في السماء السادسة وتصل إلى السابعة ، ورءاها رسول الله r في السماء السابعة . 4- الجنة : وهي فوق السموات السبع فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ على قلب بشر مما أعدّه الله للمسلمين الأتقياء خاصة ، ولغيرهم ممن يدخل الجنة نعيم يشتركون فيه معهم . 5-العرش : وهو أعظم المخلوقات ، وحوله ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله . وله قوائم كقوائم السرير يحمله أربعة من أعظم الملائكة ، ويوم القيامة يكونون ثمانية .
6-وصوله إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام :انفرد رسول الله عن جبريل بعد سدرة المنتهى حتى وصل إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام التي تنسخ بها الملائكة في صحفها من اللوح المحفوظ .
7-سماعه كلام الله تعالى الذاتي الأزلي الأبدي الذي لا يشبه كلام البشر.
8-رؤيته لله عزّ وجلّ بفؤاده لا بعينه : مما أكرم الله به نبيه في المعراج أن أزال عن قلبه الحجاب المعنوي ،فرأى الله بفؤاده ، أي جعل الله له قوة الرؤية في قلبه لا بعينه ، لأن الله لا يرى بالعين الفانية في الدنيا ، فقد قال الرسول صلي الله عليه وسلم واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا.
كانت الرحلة يقظة بالروح والبدن :
قال ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري: “إن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة، في اليقظة بجسده وروحه صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا ذهب جمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك، إذ ليس في العقل ما يحيله، حتى يحتاج إلى تأويل”.
ومن الأدلة على أن الإسراء والمعراج بالجسد والروح استعظام كفار قريش لذلك، فلو كانت المسألة مناماً ـ كما يدَّعي ويزعم البعض ـ لما استنكرته قريش، ولما كان فيه شيء من الإعجاز.
ترحيب الملائكة والانبياء :
روى البخاري في صحيحه حديث الإسراء والمعراج عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فانطلقتُ مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا، قيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد، قيل: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا ولنِعمَ المجيء جاء، فأتيتُ على آدم فسلمتُ عليه، فقال: مرحباً بك من ابن ونبيٍّ, فأتينا السماء الثانيةَ، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ولنِعمَ المجيء جاء، فأتيت على عيسى ويحيى فقالا: مرحباً بك من أخٍ ونبيٍّ، فأتينا السماءَ الثالثةَ, قيل: من هذا؟ قيل: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد، قيل: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ولنِعمَ المجيء جاء، فأتيتُ على يوسف فسلمتُ عليه، قال: مرحبا بك من أخٍ ونبيٍّ، فأتينا السماء الرابعة، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد أُرسِلَ إليه؟ قيل: نعم، قيل: مرحباً به ولنِعمَ المجيء جاء، فأتيتُ على إدريس فسلمتُ عليه فقال: مرحبا من أخٍ ونبيٍّ، فأتينا السماء الخامسةَ، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيء جاء، فأتينا على هارون فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ، فأتينا على السماء السادسةَ، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمدٌ صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنِعمَ المجيءُ جاء، فأتيتُ على موسى فسلمتُ عليه، فقال: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ، فلما جاوزتُ بكى، فقيل: ما أبكاك؟ قال: يا ربِّ هذا الغلام الذي بُعِثَ بعدي، يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخُلُ من أمتي، فأتينا السماء السابعةَ، قيل: من هذا؟ قيل: جبريل، قيل: من معك؟ قيل: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِلَ إليه؟ مرحبًا به ونِعمَ المجيءُ جاء، فأتيتُ على إبراهيم فسلمتُ عليه، فقال: مرحباً بك من ابنٍ ونبيٍّ …
تأخر جبريل اجلال ليتقدم رسول الله :
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ” وذكر النقاش عن ابن عباس: في قصة الإسراء عنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ).
قال: فارقني جبريل، فانقطعت الأصوات عني فسمعت كلام ربي وهو يقول: ليهدأ روعك يا محمد، ادن ادن ” انتهى من “الشفا” (1 / 202)..
ومما يؤيد فراق جبريل وتأخره ما نقله النووي عن القاضي عياض أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فارقني جبريل وانقطعت عني الأصوات.
ومنها كذلك ما حكاه ابن عاشور في تفسيره عن مقاتل في قوله تعالى: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ [الصافات:164].
مَرَرْتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي بالملأِ الأَعْلَى ، وجبريلُ كالحِلْسِ البالي من خشيةِ اللهِ تعالى.
الراوي : جابر بن عبدالله | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع.
رؤية الله :
وقيل : { دنا} أى محمد صلى الله عليه وسلم { فتدلى} اى أي هوى للسجود- وهذا قول الضحاك … انتهى .
يقول الدكتور/ فاضل السامرائى في قوله تعالى { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) } :
العرب تقول في القرُب أشياء كثيرة كناية عن القرب فلماذا اختار سبحانه قاب قوسين أو أدنى؟ اختيار قاب قوسين تدل على القرب والقوس هي في حد ذاتها لا بد أن تكون قوية شديدة والوتر لا بد أن يكون قوياً شديداً والرامي ينبغي أن يكون قوياً مُسدداً فالقوس يحتاج إلى إحكام في التسديد والإنطلاق وهذه كلها عناصر الرحلة وقد سبق قوله تعالى (شديد القوى * ذو مِرّة فاستوى) والقوس شديد ويستعمله قوي شديد والرحلة وهي الإنطلاق لذا جاء استعمال قاب قوسين أو أدنى… انتهى من كلام الدكتور/ فاضل السامرائى..
جاء في تفسير القرطبي في قوله تعالى : { فأوحى إلى عبده ما أوحى}:
فيه تفخيم للوحي الذي أوحى إليه. . قال قتادة : أوحى الله إلى جبريل وأوحى جبريل إلى محمد. .. انتهى ..
جاء في تفسير الطبري في َقَوْله تعالى : { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى } :
عَنْ أَبِي صَالِح { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى } قَالَ : رَآهُ مَرَّتَيْنِ بِفُؤَادِهِ ( ليلة المعراج مرة وفى المنام مرة )
هدية الصلاة مباشرة بلا واسطة :
وذلك أن الصلاة هي الفريضة الوحيدة التي فرضت ليلة الإسراء والمعراج في السماء السابعة وبدون واسطة ،وبلا حجاب …
يبدأ المشهد بسيِّدنا رسول الله وهو يَمشي في معيَّة سيِّدنا جبريل، في طريقِهِما لسدْرة المنتهى في رحلة المعراج. وفي مكان ما، يقِف سيِّدنا جبريل – عليْه السَّلام – فيقول له سيِّدُنا محمَّد: أهُنا يترك الخليل خليله؟ قال سيِّدنا جبريل: لكلٍّ منَّا مقام معلوم؛ يا رسول الله، إذا أنت تقدَّمت اخترقت، وإذا أنا تقدَّمتُ احترقت. وصار سيِّدنا جبريل كالحلس البالي من خشْية الله، فتقدَّم سيِّدنا محمَّد إلى سدْرة المنتهى، واقترب منْها. ثمَّ قال سيِّدنا رسول الله: التَّحيَّات لله والصَّلوات الطيِّبات. ردَّ عليه ربُّ العزَّة: السَّلام عليْك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته. قال سيِّدنا رسول الله: السَّلام عليْنا وعلى عباد الله الصَّالحين. فقال سيِّدنا جبريل – وقيل: الملائكة المقرَّبون -: أشهد أن لا إلَهَ إلاَّ الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله.
وان كان موسى كلم الله في الأرض فقد كلمه النبي محمد في السماء …. وان كان موسى قد قال له الله في الأرض اخلع نعليك ، فقد قال لحبيبه محمد في السماء : يا محمد، لا تخلع نعليك…
ان كان ادم صفوة من خلقه ** فقد اصطفاك محبة وهداكا
او كان نوح قد نجا بسفينة ** فمن العدا في الغار قد نجاكا
او كان ابراهيم قد اعطي خلة ** فقد اجتباك اذ ناداكا
او كان اسماعيل جاءله الفدا * * من ربه فكما فداه فداكا
او كان موسى للاله مناجيا * * فبليلة المعراج قد ناجاكا
او كان عسى نال منه رتبة ** فمن ايه المجموع قد اعطاكا
قد نلت من المعراج كل فضيلة **ورايت جبار السما ورءاكا
فعليك يا خير الانام تحية ** تاتيك بالاقبال من مولاكا
من كتاب دخيرة المحتاج في الصلاة على صاحب اللواء والتاج
يقول الحافظ ابن حجر : والحكمة في وقوع فرض الصلاة ليلة المعراج أنه لما قدس ظاهرا وباطنا حين غسل بماء زمزم بالإيمان والحكمة ، ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهور ناسب ذلك أن تفرض الصلاة في تلك الحالة ، وليظهر شرفه في الملأ الأعلى ، ويصلي بمن سكنه من الأنبياء وبالملائكة ، وليناجي ربه ، ومن ثم كان المصلي يناجي ربه جل وعلا .. انتهى .
يقول السعدي -رحمه الله – هذا متضمن للأدب، مع الله تعالى، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتعظيم له، واحترامه، وإكرامه، فأمر [الله] عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان، بالله وبرسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين، خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في جميع أمورهم، و [أن] لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا، حتى يقول، ولا يأمروا، حتى يأمر، فإن هذا، حقيقة الأدب الواجب، مع الله ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته، تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي، وفي هذا، النهي [الشديد] عن تقديم قول غير الرسول صلى الله عليه وسلم، على قوله، فإنه متى استبانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجب اتباعها، وتقديمها على غيرها، كائنا ما كان – تفسير السعدي (ص: 799).
وقد نهى الله عز وجل عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه (أنه سمع صوت رجلين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قد ارتفعت أصواتهما فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً) – رواه البخاري (470).
وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم كما كان يكره في حياته عليه الصلاة والسلام، لأنه محترم حيًّا وفي قبره صلى الله عليه وسلم دائماً.
وقال تعالى { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح: 8-9]..وقد ذهب علماء السلف إلى أن الضمير في قوله جل شأنه: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} راجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه: تعظموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفخموه في أدب المخاطبة والتحدث إليه ومجالسته. قال ابن تيمية: (فالتسبيح لله وحده، والتعزير والتوقير للرسول، والإيمان بالله ورسوله).