بقلم الشيخ محمد رجب أبو تليح الأزهرى عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف
المقال الأول من سلسلة : مصرنافخرنا وعزنا
مصر على لسان النبي ﷺ: آثار من نور النبوة، تُزيّنها البركة، وتكلّللها الوَصِيّة
في كتابَةِ التاريخِ أنوارٌ، وفي سِيَرِ الأنبياءِ آثارٌ وليسَ لأرضٍ بعدَ الحجازِ ما لمصرَ من ذِكرٍ في السنةِ المطهّرة،ولا لشعبٍ بعدَ العربِ ما لأهل مصر من عهدٍ على لسانِ خيرِ البريةفها هو النبيُّ الأمينُ سيدنا محمدٌ ﷺ، يُوصي أمّتَه بمصرَ وأهلها،
يقولُ عليه الصلاةُ والسلام: «ستُفتَحُ عليكم بعدِي مصرُ، فاستوصُوا بقبطِها خيرًا؛ فإنَّ لكم منهم ذمَّةً ورحما». ويُكرِّرُ الوصيّةَ مرةً أخرى فيقول: «فإنَّ لكم منهم صِهراً وذمَّة»،
ويُشيرُ إلى نفسِ الأرضِ بقولِه: «ستُفتَحُ عليكم بعدي مدينةٌ يُذكَرُ فيها القيراطُ، فاستوصُوا بأهلِها خيرًا؛ فإنَّ لهم ذمَّةً ورحما».
فهل رأيتَ وصيّةً أبلغَ في الودّ؟! أم سمعتَ عهدًا في الكرامة مما جعله لمصر وأهلها؟!إنها مصرُ: ذاتُ الذِّمَّةِ المحفوظة، والرَّحِمِ المتّصلة، في وصية الجناب الأكرم.
فلمّا سأله الصدّيقُ: «لِمَ يا رسولَ الله؟»، أجاب: «لأنَّهم وأزواجَهم في رباطٍ إلى يومِ القيامة».
وما أصدقَ هذا الرِّباط! فأهلُ مصرَ لا يقاتلونَ دفاعًا عن الرُّبى فحسب،بل يرابطونَ حِراسةً للدِّين، والشرف والعرض والكرامة، وذودًا عن حياضِ الإسلام،حتّى قال فيهم: «أهلُ مصرَ في رباطٍ إلى يومِ القيامة».ووصفَ جُندَها بالجند الغربيَّ وأنَّه في زمنِ الفتن: «خيرُ الناسِ فيها»،
فما أسرعَ أن قال عمرو بن الحمق: «فلذلك قدِمتُ مصرَ»ويُفصِّلُ الوصيّةَ، ويُبيّنُ فضلَ ترابِها فيقول:«مصرُ أطيبُ الأرضينَ تراباً، وعَجَمُها أكرمُ العجمِ أنساباً»ويُبيّنُ موضعَها من الخيرِ فيقول: «قسَّمتُ البركةَ عشرةَ أجزاءٍ، فجعَلتُ تسعةً منها في مصرَ، وواحداً في سائرِ الأمصار».
ومن ضاقَت عليه سُبلُ الرزق، قال له الحبيبُ المصطفى: «مَن أعْياهُ المكاسِبُ، فعليه بمصرَ، وعليه بالجانبِ الغربيِّ». ومن أرادَ البركةَ في كسبِه، فليذكُرْ أنه حينَ أُتيَ بعسَلِ “بنها”، دعا فيه النبيُّ ﷺ بالبركة.
وحتّى الثوبَ الذي يُنسَجُ في “المعافِر” بمصر،حينَ لعَنه أبو سفيان، قال له النبيُّ ﷺ: «لا تلعَنْهم؛ فإنَّهم مِنّي، وأنا منهم». فيال عظيم شرف مصر وأهلها، الذي باح به الجناب المعظم ﷺ ؟! وأوصى بها وبأهلها، فقال: «أُوصِيكم بأهلِ البلدةِ السوداءِ، السُّحْمِ الجِعادِ؛ فإنَّ لهم ذمَّةً ورحماً».
ويُكَرِّرُ التأكيدَ فيقول: «اللهَ اللهَ في أهلِ المدرةِ السوداءِ – المدرة معناها السيد الشريف سمي بذلك لأَنه يقوى على الأُمور و يَهْجُم عليها ¦¦ المُقَدَّم في اللسان و اليد عند الخصومة و القتال- السُّحْمِ الجِعادِ؛ فإنَّ لهم نسَباً وصِهراً». ويُحذّرُ من ظلمِهم فيقول: «اتّقوا اللهَ في القِبطِ؛ لا تأكلُوهم أكلَ الخُضَر!».