حكم بيع الكلاب في الفقه الإسلامي

بقلم الدكتور : عبد الله شحاتة الأزهرى عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف والواعظ بمنطقة الدعوة والأعلام الدينى بالشرقية 

عرفت ممارسة البيع منذ آلاف السنين ، وأدى البيع دورا أساسيا في تنمية اقتصاد كثير من الشعوب وتطورهم , وتشير الآثار القديمة المكتشفة عن إنسان ما قبل التاريخ أنه مارس التجارة في مختلف السلع , ونتيجة لازدهار المدن بدأ بعض سكان المدن التخصص في إنتاج سلع معينة , ولما جاء الإسلام بنوره الساطع دعي إلي العمل ورغب فيه , ونتيجة لذلك ازدهرت التجارة وحركة البيع والشراء في هذه الفترة ، وازداد نشاط الأسواق ونقل السلع بين مدن العالم الإسلامي وغيرها , وقد أكدت الشـريعة الإسلامية على جوازها ضمن ضوابط وشروط محددة ، ونظراً لتعدد أنواع البيع وأهميتها بحيث يكون كل منها وضعاً قائماً بذاته نرى أن الفقهاء يترجمون لعقد البيع بعنوان (كتاب البيوع) بصيغة الجمع لتضمنه عدة عقود كالبيع والرهن والإجارة والشركة وغيرها ، ومن صور البيع التي كانت محل خلاف بين الفقهاء هي بيع الكلاب ، فقد كانت محل نظر وبحث نحاول في هذا المقال نسليط الضوء عليها وبيان ما خلفه لنا تراثنا الاسلامي حول هذه المسألة في النقاط التالية :

أولا : تحرير محل النزاع :
اتفق جمهور الفقهاء علي حرمة بيع النجاسات العينية والاتجار فيها ؛ كالخمر والخنزير والميتة والروث وغيره ، واتفق الفقهاء أيضًا علي حرمة بيع ما يستعان به علي معصية الله تعالي وما لا فائدة منه ، ولكنهم اختلفوا في بيع الكلاب علي ثلاثة أقوال :

القول الأول:
 وهو قول جابر بن عبد الله , وبه قال الحسن , وربيعة. وحماد , وهو قول الشافعية والحنابلة ، حيث ذهبوا إلي أنه لا يجوز بيع الكلاب مطلقا سواء كانت لمنفعة أم لا للنهي عنه في الشرع .

القول الثاني:
وهو قول الإمام أبو حنيفة , ورواية عند الإمام مالك ، أنه يجوز بيع الكلب مطلقا سواء كان معلما أم غير معلم ، وقالوا : لأن له منفعة ولو بعد التدريب مستقبلا , وحملوا النهي الوارد في الأحاديث النبوية علي التنزيه وأجازوا بيع الكلب عموما.

القول الثالث:
وهو قول عطاء بن أبي رباح و إبراهيم النخعي ورواية عن الإمام مالك ، ومشهور مذهب المالكية؛ أنه يجوز بيع الكلاب للصيد وما كان له منفعة متحققة , وحملوا النصوص الواردة في النهي عن بيع الكلاب حملوها علي الكلاب التي لا منفعة منها .

ثانيا : أدلة الأقوال ومناقشاتها أدلة القول الأول :
استدل أصحاب القول الأول علي ما ذهبوا اليه من القول بمنع بيع الكلاب مطلقا وحرمته دون تفرقة بين ما له منفعة وما لا منفعة منه , استدلوا بما روي عن عبدالله بن عباس _ رضي الله عنهما _ قال نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ ، وَإِنْ جَاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الْكَلْبِ فَامْلأْ كَفَّهُ تُرَابًا ( ) .

وجه الدلالة :
أدلة الحديث علي أن ثمن الكلب ليت له قيمة, وليس بمال متقوّم ولا ضمان علي متلفه قال الإمام الشافعي – رحمه الله تعالي- : “أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله _ صلي الله عليه وسلم _ نهي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن، قال الشافعي : وقال _ صلي الله عليه وسلم _ :” من اقتني كلبا إلا كلب ماشية أو ضاريا نقص من أجره كل يوم قيراطان ” ، قال ولا يحل للكلب ثمن بحال ولو جاز ثمنه جاز حلوان الكاهن ومهر البغي أهـ , وقد علق الماوردي علي كلام سيدنا الشافعي ؛ فقال : ” وهذا كما قال . بيع الكلب باطل وثمنه حرام ولا قيمة علي متلفه بحال سواء كان منتفعا به أو غير منتفع به ” ( )

قال الإمام ابن حجر العسقلاني : ” وظاهر النهي للتحريم ، وهو عام في كل كلب معلما أو غير معلم مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز ومن لوازم ذلك أن لا قيمة علي متلفه “( ).

فعمدة مذهبهم أمران :
أولهما : ثبوت النهي الوارد عن ثمن الكلب عن النبي صلي الله عليه وسلم .
ثانيهما : أن الكلب عندهم نجس العين كالخنزير والخمر فلا يجوز بيع النجاسات مطلقا سواء كان منتفع بها أم لا .

أدلة القول الثاني :
استدل أصحاب القول الثاني علي ما ذهبوا إليه من القول بجواز بيع الكلب مطلقا , بما روي عن عبدالله بن عمر _ رضي الله عنهما _ أن النبي _ صلي الله عليه وسلم _ : ” نهي عن بيع الكلب إلا كلب الصيد , والحرث والماشية ” وروي أن عثمان _ رضي الله تعالي عنه _ أنه قضي علي رجل أتلف كلبا لامرأة بعشرين بعيرا ، وعن أبي الزبير, رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قال: ‌سَأَلْتُ ‌جَابِرًا ‌عَنْ ‌ثَمَنِ ‌الْكَلْبِ ‌وَالسِّنَّوْرِ؟ قَالَ: ” زَجَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ” ( ) وفي رواية ” إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ ” ( ).

وجه الدلالة :
ثبت أن ثمن الكلب مال متقوم , وهو منتفع به شرعا جاز بيعه كسائر الأموال , وبيان كونه منتفعا به أنه يحل الانتفاع به في حالة الاختيار , ويجوز تمليكه بغير عوض في حالة الحياة بالهبة , وبعد الموت بالوصية فيجوز تمليكه بالعوض أيضا , وبهذا يتبين أنه ليس بنجس العين , فإن الانتفاع بما هو نجس العين لا يحل في حالة الاختيار كالخمر, ولا يجوز تمليكه قصدا بالهبة والوصية , ثم الصحيح من المذهب ( أي مذهب الحنفية) أن المعلم وغير المعلم إذا كان بحيث يقبل التعليم سواء ( أي المعلم وغير المعلم في حل البيع سواء ) في حكم البيع حتي ذكر في النوادر لو باع جروا جاز بيعه ؛ لأنه يقبل التعليم .

فأما الذي لا يجوز بيعه من الكلاب هو الكلب العقور منه الذي لا يقبل التعليم ؛ لأنه عين مؤذ غير منتفع به فلا يكون مالا متقوما كالذئب , وهكذا يقال في الأسد إن كان بحيث يقبل التعليم , ويصطاد به , فبيعه جائز, وإن كان لا يقبل ذلك ولا ينتفع به فحينئذ لا يجوز بيعه , والفهد والبازي يقبل التعليم علي كل حال فجاز بيعهما كذلك .

وأجابوا عن الحديث الذي استدل به الشافعية والحنابلة ومن وافقهم من أصحاب القول الأول ,المروي عن جابر بن عبدالله _ رضي الله عنه _ أن النبي _ صلي الله عليه وسلم _ : ” نهي عن بيع الكلب والسنور ” بأنه ينقضه عدة أحاديث أخري.

 قال أبو يوسف _ رحمه الله _ “ينقض هذا الحديث في السنور حديث النبي _ صلي الله عليه وسلم _ أنه ” كان يصغي لها الإناء فتشرب منه ” وهو مشهور عنه _ صلي الله عليه وسلم _ , وحديث عروة عن عائشة _ رضي الله عنها _ أن ” النبي _ صلي الله عليه وسلم _ كان يصغي الإناء للهر ليشرب منه ثم يتوضأ” وفي هذا دليل علي أنها ليست بنجسة , وقد نص علي ذلك بقوله :” أنها ليست بنجسة أنها من الطوافين عليكم والطوافات ” , ويجوز الانتفاع بها من غير ضرورة , وما يكون بهذه الصفة فهو مال متقوم يجوز بيعه , والنهي إن ثبت محمول علي أنه كان في الابتداء ثم نسخ” ( ).

فعمدة مذهبهم أن الكلب طاهر العين , فجاز بيعه كالأشياء الطاهرة العين.

أدلة القول الثالث:
استدل أصحاب القول الثالث علي ما ذهبوا اليه من القول بجواز بيع ما له منفعة من الكلاب , استدلوا بقوله تعالي ﱡﭐ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆﱠ ( )

وجه الدلالة :
الآية تدل علي أن الإباحة تتناول ما علمناه من الجوارح , وهو ينتظم الكلب وسائر جوارح الطير, وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع , فدل علي جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل , وهو الأكل من الجوارح أي الكواسب من الكلاب وسباع الطير , وكان لعدي كلاب خمسة ( ).

قال الإمام شمس الدين الطرابلسي: , ومما يشترط في المعقود عليه أن لا يكون منهياً عن بيعه فيجوز بيع مالم ينهي عن بيعه ككلب الصيد , والماشية , والزرع , بخلاف ما لم يؤذن في اتخاذه لما في الصحيح أنه _ صلي الله عليه وسلم _ نهي عن بيع الكلب من غير تقييد , وشهر أيضا القول بالجواز في المأذون في اتخاذه , (أي في مذهب المالكية) واختاره ابن رشد في ، واقتصر المصنف علي الأول (أي القول بجواز بيع الكلب المأذون به في الشرع) لقوته إذ هو قول مالك , وابن القاسم , وشهره ابن رشد , وفي وروايته عن مالك . المنع من بيعه ( )

وحملوا النهي الوارد في الأحاديث علي الكلب الأسود، قال القرطبي: قوله تعالي : ﱡﭐ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔﱠ ( ) هي الكلاب خاصة , فإن كان الكلب أسود بهيماً فكره صيده عن الحسن وقتادة والنخعي ، وقال أحمد : ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما , وبه قال إسحاق بن رهويه , فأما عوام أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم , أسودا كان أو غيره ، أما من منع صيد الكلب الأسود فلقوله صلي الله عليه وسلم : فيما رواه مسلم (‌الْكَلْبُ ‌الْأَسْوَدُ ‌شَيْطَانٌ ( ).

فعمدة مذهبهم أن الكلب غير مباح الانتفاع به إلا ما استثناه الحديث من كلب الصيد أو كلب الماشية أو كلب الزرع وما في معناه , فقد رويت أحاديث اقترن فيها النهي عن ثمن الكلب واستثناء أثمان الكلاب المباحة الاتخاذ.

الراجح :
بعد عرض أقوال المذاهب الفقهية ودليل كل من الأقوال ومناقشاتها , فإني أميل إلي ما ذهب إليه أصحاب القول الثالث القائلين بجواز بيع كلاب الصيد وما كان له منفعة متحققة ؛ وذلك لقوة ما استدلوا به , وللجمع بين الأدلة من كون بعض الأحاديث ورد فيها النهي عن بيع الكلب مطلقا , وبعضها ورد فيها الاستثناء في جواز بيع الكلاب التي لها منفعة , ولأن القول بمنع بيع الكلاب مطلقا فيه مشقة فقد يحتاج الشخص الي كلب ليصطاد به أو للحراسة أو غيرها من المنافع ولا يجد من يبيعه له , وللعمل بحجيّة مفهوم الشرط الوارد في الحديث من استثناء أنواع الكلاب التي ورد الشرع بالإذن فيها دون غيرها , مما يدل على عظمة الإسلام ومراعاته مصالح أتباعه ومرونته وصلاحيته لكل زمان ومكان وليس كما يصفه البعض بالجمود والتحجر بل فيه من السعة ما ليس لغيره .