قدسية المرجعية، موقع العلماء بين صرامة الدولة الحديثة وتقلّبات الوعي الجمعي

بقلم الكاتب محمد نجيب النبهان 

في المجتمعات الحديثة، سواء كانت شرقية أو غربية، تتباين صورة رجل الدين تبايناً حاداً يرتبط بالبنية الفكرية والسياسية لكل حضارة. ففي أوروبا، وعلى الرغم من رسوخ العلمانية في مؤسسات الحكم والدولة، لا يزال لرجل الدين المسيحي ـــ على اختلاف رتبته من قِسٍّ راهبٍ أو بطريرك ـــ مكانةٌ اعتباريةٌ مرموقة، وحصانةٌ قانونيةٌ راسخة، ودورٌ استشاريٌّ مؤثر في ملفاتٍ حساسة تتصل بالأمن والحكم والسياسة الخارجية. ومهما بلغت قسوة التحولات السياسية، فإن هيبة المؤسسة الدينية في الغرب تُصان بوصفها أحد ركائز التوازن الاجتماعي، ولا يجرؤ مسؤول رفيع ـــ رئيساً كان أو وزيراً أو دبلوماسياً ـــ على تجاوز حرمتها أو النيل من رموزها.

أما في فضائنا الإسلامي، وعلى امتداد جغرافيته الواسعة، فقد بدا المشهد على الطرف النقيض تماماً: فالعالِم الشرعي عندنا مكشوف الظهر، منتهكةٌ حرمته، يسهل الطعن فيه والتجريح، ويغدو هدفاً لغضب العوام تارة، ولسهام الأيديولوجيين تارة أخرى. صار المساس بالعلماء مباحاً كأنه ممارسةٌ يومية، وأضحت منزلتهم التي كانت في قلب الوعي الجمعي قابلةً للتقليل والاستهانة، رغم أنهم ـــ في معظم الدول ـــ محرومون حتى من حق تقرير ما يقولونه على المنابر، مقيّدون بنصوصٍ مفروضة، وملاحقون إن خالفوا حرفاً واحداً مما يكلّفون بتلاوته.

لماذا المشايخ؟ وكيف صُنع الاتهام؟

مع اندلاع موجات الربيع العربي، ظهرت موجة منظمة وشرسة تستهدف العلماء تحت شعارات مضللة منها : “مشايخ السلطان” أو “مشايخ الرز بحليب”. الغريب أن أول من تبنّى هذا السرد هم التيارات التي لا تلتقي في شيء: الوهابيون، العلمانيون، الليبراليون، والملحدون؛ كأنّها حملةٌ لا يجمعها منطق بقدر ما تجمعها الرغبة في إسقاط المرجعية الدينية كلّها عبر خلق “رجل قش” يسهل ضربه وتشويهه.

لم يكن العلماء في تلك الدول أصحاب سلطة تنفيذية، ولا نافذين في كواليس القرار، ولا قادرين على عزل حاكم أو تنصيب آخر. بل إن معظمهم لم يكن يملك حتى نصّ الخطبة التي يلقيها، ومن تجرأ على تجاوز نصٍ مكتوب أو نهجٍ مرسوم تم التنكيل به، وسُجن في ظلمات المعتقلات من غير نصيرٍ أو مدافع.

الهجوم لم يكن على أفراد، بل على فكرة العلماء نفسها، على منظومة العلم الشرعي، على الرابط التاريخي بين الأمة ومرجعيتها الفكرية. لقد كان الهدف هو فصل العوام عن خواصهم، وسدّ الطريق أمام التواصل بين الإنسان وجذوره، ليغدو جاهزاً لعملية “أدلجة” تُصاغ خارج تراكمه الحضاري وقيمه الدينية.

خلال جائحة كورونا، نموذجٌ فاضح للخلط والتضليل

عندما اجتاحت جائحة كورونا العالم، ترك بعض المتحمسين من العلمانيين والليبراليين كل أسباب الأزمة وتداعياتها، وانشغلوا بالتهكم على المشايخ. رددوا عبارات مثل: “الغرب يحضّر العلاج، ومشايخكم يكتفون بالدعاء عليهم”.

هذا المنطق العجيب يطالب رجلَ الدين بأن يكون طبيباً وكيميائياً وباحثاً في الفيروسات، وإلا أصبح محلاً للتهكم والسخرية. فهل يمكن للمهندس أن يكون جراحاً؟ أو للمزارع أن يكون أستاذ رياضيات؟ أو للمعلم أن يصبح كيميائياً دون تدريب؟ بالطبع لا.

رجل الدين صاحب تخصص محدد: فقهٌ، وعلمٌ، وتوجيهٌ، ورعايةٌ للنفس والمجتمع. لا يُنتظر منه اكتشاف لقاح، بل يُنتظر منه دورٌ آخر: تثبيت النفوس، وتهدئة المخاوف، وإرشاد الناس إلى السلوك الرشيد في المحن. لكن السهام صُوّبت نحوه لأنه الحلقة الأضعف في نظر خصومه، ولأن مهاجمته لا تكلّف ثمناً سياسياً ولا اجتماعياً.

لماذا يتبع بعض الناس هذه الحملات؟

تنجح الحملات الأيديولوجية حين تتوجه إلى جمهور يبحث عن إجابات جاهزة، أو يجد لذةً في اتهام طرفٍ لا يستطيع الرد. وفي العالم العربي، لعب الإعلام ـــ في بعض منصاته ـــ دوراً رئيسياً في صناعة خطابٍ عدائي تجاه العلماء، كان مدعوماً بأنظمةٍ أو تيارات تريد تقويض المرجعية الدينية وإحلال مرجعيةٍ بديلة تقوم على التفكيك، لا على البناء.

سهل على هؤلاء إقناع بعض السذّج بأن العلماء سبب فقر الأمة، وأنهم أصل فشل الدولة، وأنهم محرّضو الحروب أو صانعو الفتن، وكأن العالِم يمتلك ما لا يمتلكه وزراء الدفاع والاقتصاد ورؤساء الأجهزة الأمنية.

بلغ الأمر حدّاً صار فيه الشيخ مسؤولاً ـــ عند هؤلاء ـــ عن الحروب، وعن الفقر، وعن الجهل، وعن الفساد، وعن غلاء الأسعار، مع أنه لا يملك وظيفةً تنفيذية واحدة في بنية الدولة.

التبرعات والصدقات، معيار مختلّ في تقييم العلماء

تبرّع فنّان أو لاعب كرة بمبلغ صغير من ثروته الطائلة، فيُضرب باسمه المثل، ويُرفَع إلى مقام البطولة. بينما إذا قدم طالب العلم صدقة متواضعة من رزقٍ شحيح اعتبره البعض تقصيراً أو رياءً.

العلماء لا يملكون ثروات الفنانين ولا عقود الرياضيين، بل يعيش معظمهم على دخل محدود. ومع ذلك يُنتقدون إن لم ينفقوا، ويُنتقدون إذا أنفقوا.

وإن نصحوا بالصبر قيل: لا نريد خطباً عن الصبر. وإن تحدثوا عن ضبط النفس قيل: أنتم تبررون الظلم. وإن دعوا الناس إلى المسؤولية الأخلاقية قيل: أنتم جزء من المشكلة. خلاصة الأمر: لا يُرضي هؤلاء شيء.

أزمة المرجعية، حين يغيب الدليل يغيب التوازن

الأمة التي لا تجعل من دينها مرجعاً ومن علمائها بوصلتها، تفقد القدرة على فهم الأحداث وتقدير المخاطر واتخاذ المواقف. إن القرارات العظمى لا تُبنى عندنا على المزاج السياسي أو التحولات الفجائية، بل على نصوصٍ شرعية واضحة، وعلى تراكم فقهي وتجربة حضارية طويلة.

من لا مرجع له من دينه لا يمكن أن يحفظ أمانته. هذا قانونٌ قائمٌ منذ بواكير التاريخ الإسلامي.

“رفقاً بالعلماء”: المفارقات المؤلمة

كما قال الحبيب أبو بكر العدني المشهور:

إذا تكلم العلماء قيل إنهم يكتفون بالتنظير.

وإذا سكتوا قيل إنهم سلبيون.

وإذا تصدروا المشهد قيل إنهم يحبون الأضواء.

وإذا تراجعوا قيل إنهم خائفون.

وإن تحدثوا في السياسة اتُّهموا بإثارة الفتن.

وإن التزموا الفقه والفتوى قيل إنهم علماء أحوال النساء.

كيف تنتصر أمة لا تُكرم علماءها ولا تستمسك بمرجعيتها؟ وكيف تستعيد قوتها وهي تشكك في أعمدة بنائها؟

أين هم العلماء؟

هم موجودون.

لكن الحملة المنظمة عليهم، والتشويه المتكرر، والضجيج الإعلامي المبرمج، جعل الجمهور عاجزاً عن رؤيتهم. لقد صار الضجيج أعلى من صوت العلم، وصارت الشبهات أكثر من المسلمات، وهو أمرٌ مقصود لا عارض.

ختامًا العلماء ورثة الأنبياء، وهذه الحقيقة ليست شعاراً بل قاعدةٌ راسخة في التاريخ والوجدان. أمةٌ تهين علماءها إنما تهين نفسها. وأمةٌ تسقط مرجعيتها تسقط قيمها تباعاً. والخطر ليس في نقد العلماء، بل في إلغائهم وإهانتهم وإضعاف مكانتهم.

تمسّكوا بما تبقى من علمائكم ودعاتكم؛ إن أحسنوا فأعينوهم، وإن قصّروا فقوّموهم بالحسنى، فالأمة لا تنجو من النوازل ولا من غضب التاريخ إلا بهم، فهم صمّام الأمان، وبوصلتها التي بدونها تتوه في ظلماتٍ لا قرار لها.

ألا هل بلّغت. اللهم فاشهد.