تابع عوارض الأهلية عند الأصوليين (13)


بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف

عارض السفه:

السفه هو: التصرف في المال على خلاف مقتضى الشرع والعقل، مع قيام العقل، والسفه لا يؤثر على الأهليتين؛ لوجود الحياة والعقل، إلا أنه يؤثر في بعض الأحكام، ومنها:

لا يدفع المال لمن بلغ سفيهاً، لقوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا}[النساء: 5]، وقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}[النساء: 6]، والرشد عند الجمهور هو: الصلاح في العقل والقدرة على حفظ المال، فليس كل عاقل رشيداً، وإن كان كل رشيد عاقلاً.

والمراد بالرشد حقيقته لا مجرد الفطنة، وهو قول الجمهور وهو الراجح؛ وعلى هذا لا يُدفع المال للصبي بعد البلوغ حتى يثبت رشده مهما بلغ من السن، وعند الحنفية المراد بالرشد حقيقته قبل بلوغ خمس وعشرين، ومظنته عند بلوغ هذا السن.

الحجر على السفيه، وفيه قولان:

القول الأول: وهو قول أبي حنيفة وهو المنع من الحجر على السفيه.

القول الثاني: وهو قول الجمهور وهو الراجح أنه يُحجر على السفيه؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ}[البقرة: 282] ، فأفادت الآية ثبوت الولاية على السفيه، وذلك لا يتصور إلا بعد الحجر عليه، كما أن في الحجر على السفيه مصلحة له بحفظ ماله، وحتى لا يكون عالة على الناس وعلى بيت المال.


القول الأول: أن السفيه يُحجر عليه بمجرد السفه كالجنون والعته من غير حاجة إلى حكم القاضي بالحجر عليه، وحجتهم أن السفه علة للحجر فمتى وجدت العلة وجد المعلول.

القول الثاني: أن السفيه لا يكون محجوراً عليه إلا بحكم القاضي، وحجة هذا القول أن الحجر مبناه مصلحة المحجور وهو متردد بين إثبات الحجر عليه لحفظ ماله، وبين ترك الحجر عليه لئلا يهدر قوله، وترجيح ما يقوله القاضي لا لغيره في الأمور ذات الوجهين.
تصرفات السفيه المحجور عليه كالتالي:

1ـ التصرفات غير القابلة للفسخ كالبيع والشراء فهي في حكم الصبي المميز موقوفة على إذن وليه إن كانت مترددة بين النفع والضرر، وما كانت ضررًا محضًا وقعت باطلة كالهبة، وما كانت نفعاً محضًا وقعت صحيحة نافذة.

2ـ التصرفات التي لا تقبل الفسخ كالنكاح والطلاق فتقع منه صحيحة نافذة.


عارض السكر:

السكر هو: زوال العقل بتناول الخمر وما يلحق بها بحيث لا يدري السكران بعد إفاقته ما كان قد صدر منه حال سكره.

والسكرنوعان:
ـ سكر بطريق مباح أو شرب المسكر اضطرارًا أو إكراهًا أو شرب الدواء المسكر ونحو ذلك، وحكمه هو حكم المغمى عليه، فتسقط عنه حقوق الله حال سكره، وعليه القضاء بعد إفاقته إن لم يكن في القضاء حرج عليه، وتصرفاته القولية لا يترتب عليها أي أثر، وتصرفاته الفعلية يترتب عليها أثرها بالنسبة لحقوق العباد المالية والبدنية، ولا يؤاخذ بأفعاله مؤاخذة بدنية.

ـ مَن سكر بطريق محظور ومحرم، فتصرفاته القولية عند بعض الفقهاء أنه لا يُعْتد بشيء من أقواله، فلا يقع طلاقه ولا بيعه؛ لأن اعتبار القول إنما يكون بالقصد، وهو الراجح، وقيل تعتبر أقواله ويعتد بها فيقع طلاقه وسائر تصرفاته عقوبة له على سكره، وأجيب بأن العقوبة تقدر من الشارع لا من الرأي.

أما تصرفاته الفعلية فلا خلاف بين الفقهاء أن أفعال السكران المتعلقة بحقوق العباد يؤخذ عليها مؤاخذة مالية، واختلفوا في المؤاخذة البدنية، وأجمع الجمهور على أنه يؤاخذ مؤاخذة بدنية فيُقتل إذا قتل، وهو الراجح، وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يعاقب على أفعاله عقاباً بدنياً، ولا يقام عليه إلا حد الخمر فقط.

ملخص من كتاب الوجيز في أصول الفقه دكتور عبد الكريم زيدان