جيوش الظل الوهابية والتكفيرية
26 يوليو، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

المقال الثامن عشر من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
صناعة الكراهية باسم الدين:
لم يعرف تاريخ الأمة الإسلامية تيارًا حُمل إليه من خارج سياقها الحضاري ليضربها في قلبها كما عرف مع نشوء الوهابية والتكفيريين، الذين ظهروا كحركة دينية تزعم العودة إلى “التوحيد الخالص”، بينما هي في الحقيقة مشروع سياسي – استخباراتي صيغ بعناية ليكون معول هدم داخلي يفتت وحدة الأمة، ويزرع بذور الكراهية والفتنة في جسدها، ويحوّل الدين من رسالة هداية ورحمة إلى أداة طعن وذبح وإقصاء.
لقد وُلدت الوهابية في صحراء نجد بالتحالف الشهير بين محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود، ذلك التحالف الذي منحها الغطاء السياسي والمالي والسلاح، وجعلها من مجرد دعوة محدودة إلى حركة توسعية مسلحة. لكن ما يجب أن يُفهم بعمق هو أن هذه الدعوة لم تكن بريئة، ولا مجرد اجتهاد فكري، بل كانت صناعة مقصودة: إعادة تأويل للدين بشكل يُحوِّله إلى آلة تكفير، بحيث يُستحل دم المسلم المخالف قبل دم الكافر المعلن. وهنا مكمن الخطر: أن يتحول الإسلام من دين يجمع الأمة إلى دين يُفتتها باسم “النقاء”.
جيوش الفكر والدين المزيف :
لقد رفع الوهابيون شعار “التوحيد”، لكنهم جعلوا هذا الشعار سيفًا مسلطًا على رقاب الأمة. فكل ما خالف فهمهم الضيق عُد شركًا، وكل ممارسة شعبية أو صوفية وُصمت بالبدعة، وكل عالم لم يوافقهم أُهدر دمه. هكذا سُفكت دماء آلاف المسلمين في الجزيرة تحت لافتة “الجهاد”، بينما كان العدو الحقيقي – المستعمر البريطاني – يتقدم خطوة بعد خطوة على السواحل العربية من دون أن يجد من هؤلاء مقاومة حقيقية. لم يكن هذا مصادفة، بل كان جزءًا من التواطؤ التاريخي بين الوهابية والقوى الاستعمارية، إذ وُجدت في الوثائق البريطانية دلائل واضحة على أن الحركة الوهابية كانت أداة مثالية لإضعاف الدولة العثمانية وتشتيت المسلمين عن عدوهم الخارجي.
ومع دخول القرن العشرين، تحولت الوهابية إلى أيديولوجيا عابرة للحدود، عبر المال النفطي الذي فاض بعد اكتشاف البترول. ومنذ ذلك الحين، لم يعد التكفير مجرد خطاب محلي، بل صار خطابًا عالميًا يُصدَّر إلى كل بلد إسلامي عبر المدارس، والمناهج، والجمعيات “الخيرية”، والمساجد التي بنيت على نفقة مشبوهة. وفي كل مكان حطت فيه أقدام الوهابية، زرعت الفتنة بدل الوحدة، والتطرف بدل الاعتدال، والعنف بدل الرحمة.
لكن الصورة لم تقف عند الفكر فقط، بل تطورت إلى حركات تكفيرية مسلحة صارت الوجه العنيف للوهابية. من القاعدة إلى داعش، كلها خرجت من رحم هذه الأيديولوجيا التي تعطي غطاء دينيًا للقتل الجماعي، وتُحوِّل الذبح والتفجير إلى “عبادة”. وهنا بلغت صناعة الكراهية ذروتها: جماعات ترفع رايات الإسلام وهي في الحقيقة أدوات دمار للأمة، تقتل المسلمين أكثر مما تواجه أعداءهم، وتقدم للعالم صورة بشعة عن الإسلام يستغلها المستعمر لتبرير تدخلاته.
إن التكفيريين هم التجسيد الأوضح لفكرة جيوش الظل الدينية:
جيوش لا تعلن ارتباطها بالمستعمر، لكنها تنفذ أهدافه بحذافيرها. المستعمر يريد إضعاف الأمة؟ التكفيريون يضعفونها من الداخل. المستعمر يريد تشويه صورة الإسلام عالميًا؟ التكفيريون يقدمون له مادة جاهزة في كل عملية تفجير. المستعمر يريد أن يبرر قواعده العسكرية في بلاد المسلمين؟ يكفي أن يترك داعش والقاعدة تعبث، ثم يتدخل “لإنقاذ العالم” من الإرهاب. وهكذا يصير العدو الخارجي شريكًا موضوعيًا مع التكفيريين: كل طرف يخدم الآخر، وإن لم يجلسوا في غرفة واحدة.
ولم يكن الانتشار السريع لهذه الأيديولوجيا صدفة، بل نتيجة دعم استخباراتي منظم. وثائق كثيرة أشارت إلى أن أجهزة غربية وإسرائيلية ساهمت في صناعة بعض الجماعات التكفيرية، وقدمت لها السلاح والممرات الآمنة، فقط لتستنزف بلاد المسلمين في حروب داخلية. إن ما جرى في أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، وليبيا، كله يكشف كيف تحولت الوهابية والتكفيريون إلى أدوات لإعادة رسم خريطة المنطقة بالدماء، وفقًا لمصالح القوى الكبرى.
إن صناعة الكراهية باسم الدين لم تكن مجرد خطأ فكري، بل كانت مشروعًا منهجيًا لتدمير الإسلام من الداخل. مشروع يجعل الأمة أسيرة صراعات داخلية لا تنتهي، ويُحيل الدين إلى أداة قتل بدل أن يكون أداة حياة. وهذا ما يجعل الوهابية والتكفيريين أخطر جيوش الظل على الإطلاق: لأنهم لا يأتون من الخارج بزي العدو، بل ينطقون بلسان الدين، ويستشهدون بالقرآن، ويخدعون العوام بأنهم “حماة العقيدة”، بينما هم في الحقيقة جنود مأجورون في جيش الظل الاستعماري.