بداية الطريق من الداخل لا من الكلام لماذا غابت تربية النفس وبقيت عبارات الطريق؟
23 أبريل، 2026
قضايا التصوف

بقلم الشيخ : حسن حفني
بداية طريق التصوف من داخل بِنية الإنسان إلى مقام الإحسان
من مشروع بِنية الإنسان
من الكلام عن الطريق إلى غياب تربية النفس أين اختفى الأثر الحقيقي؟
بعد أن عرضنا نماذج أئمة السلوك وكيف بنوا الإنسان من الداخل قبل أن يبنوا العبارة وكيف كانت التربية عندهم انتقالا من حال إلى حال وليس من لفظ إلى لفظ
يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح لماذا غابت هذه التربية اليوم رغم بقاء الكلام عنها وانتشاره؟
هل فقدنا الطريق أم فقدنا أنفسنا ونحن نظن أننا نسير فيه؟
الحقيقة التي تحتاج إلى شجاعة أن الطريق لم يغب ولكن الذي غاب هو الإنسان الذي كان يسلكه بصدق
فالأئمة لم يتركوا لنا نصوصا فقط بل تركوا منهجا حيا يبدأ من الداخل من رؤية النفس كما هي ليس كما يحب الإنسان أن يراها
ومن مواجهة حقيقتها ليس الهروب منها ومن تصحيح النية قبل تزيين العمل ومن بناء القلب قبل تحسين الصورة
وقد كان سيدي الإمام الحسن البصري رضي الله عنه يختصر هذا الأصل بقوله
رحم الله امرأ عرف قدر نفسه
فكانت المعرفة عنده بداية النجاة ليس نهايتها وكانت المحاسبة باب الإصلاح وليس باب اليأس
لكن الذي حدث أن كثيرا من الناس لم يدخلوا الطريق ليتغيروا بل دخلوه ليشعروا ولم يسيروا فيه ليواجهوا أنفسهم بل ليجدوا ما يريحها فتحول الطريق من ميدان مجاهدة إلى مساحة ذوق
ومن مدرسة تربية إلى حالة إعجاب
وهنا بدأ الخلل الحقيقي
لأن النفس بطبيعتها تميل إلى ما يوافقها ليس إلى ما يصلحها فتأخذ من الطريق ما يزين لها صورتها وتترك ما يكشف حقيقتها فتتحدث عن المحبة وتغفل عن المجاهدة وتتكلم عن الذوق وتهرب من المحاسبة وتحب صورة الصالحين دون أن تدخل في معركتهم مع أنفسهم
وقد كان سيدي الإمام إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه يحذر من هذا الباب بقوله
ما صدق الله عبد أحب الشهرة
لأن حب الظهور يحول الطريق من إخلاص إلى استعراض
ومن عبودية إلى صورة
ومن هنا ترى إنسانا يتكلم في دقائق الطريق ويشرح أحوال القلوب ولكنه عند أول اختبار يضطرب وعند أول مخالفة لا يحتمل وإذا تأخرت عنه الدنيا تغير لأنه تعلم الكلام قبل أن يتربى على الحال
وقد وضع سيدي الإمام الفضيل بن عياض رضي الله عنه ميزانا دقيقا يكشف هذا الخلل حين قال
ترك العمل لأجل الناس رياء والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما
فالمشكلة ليست في العمل الظاهر بل في القصد الخفي الذي يحركه
ولو تأملت واقع الإنسان اليوم ستجد أن كثيرا من أزماته ليست بسبب قلة المعرفة بل بسبب غياب التربية الداخلية التي يقوم عليها مشروع بِنية الإنسان
قلق يتكرر دون سبب واضح
توتر مستمر رغم توفر الأسباب
شعور داخلي بعدم الرضا مهما تحققت المكاسب
تقلب في القرارات وعدم ثبات على طريق
هل هذه أعراض نقص معلومات أم أعراض قلب لم يترب ونفس لم تهذب؟
إنها إشارات واضحة لقلب لم يدرب على المراقبة ونفس لم تعرف طريق المحاسبة وعلاقة مع الله لم تبن على حضور حقيقي
ولهذا أكد سيدي الإمام الحارث المحاسبي رضي الله عنه أن المراقبة علم القلب بقرب الرب فجعل حضور الله في القلب أساس كل إصلاح
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين من يسمع عن الطريق ومن يسير فيه
الأول يجمع عبارات ويزين بها خطابه
والثاني يعيد تشكيل نفسه ولو خالف هواه
الأول يبحث عن ما يشعره بالقرب
والثاني يعمل ليكون أهلا لهذا القرب
الأول يهرب من مواجهة نفسه
والثاني يجعل من هذه المواجهة بداية طريقه
ولهذا قال سيدي الإمام الجنيد البغدادي رضي الله عنه
ليس الشأن أن تسمع إنما الشأن أن تعمل
فجعل العمل ميزان الصدق لا مجرد المعرفة
ومن هنا كانت البداية الحقيقية عند القوم دائما من الداخل وهو الأصل الذي ينطلق منه مشروع بِنية الإنسان من سؤال واحد لا تميل النفس إلى مواجهته
هل أنا أريد الله أم أريد نفسي بصورة صالحة؟
هذا السؤال هو نقطة التحول لأن العمل قد يكون واحدا في صورته مختلفا في حقيقته
فنية ترفع صاحبها ونية تهوي به وهو لا يشعر
وقد جمع سيدي الإمام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه هذا المعنى بقوله
العلم بلا عمل جنون والعمل بلا علم لا يكون
فدل على أن المعرفة إن لم تتحول إلى حال كانت وبالا على صاحبها
ومن هنا نفهم أن الطريق عند الأئمة لم يكن زيادة معلومات بل إعادة بناء للإنسان من الداخل ولم يكن انتقالا في الأقوال بل تحولا في الأحوال ولم يكن زخرفة ظاهر بل تصحيح باطن
وقد لخّص سيدي الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه الطريق كله في كلمة واحدة حين قال
الطريق إلى الله مفتوح ولكنك محجوب بنفسك
فالحجاب ليس في الطريق بل في النفس التي تحملها وأنت تظن أنك تسير
فما الذي يحتاجه الإنسان اليوم؟
هل يحتاج إلى مزيد من الكلام أم إلى منهج يعيده إلى نفسه؟
الحقيقة أنه يحتاج إلى من يعلمه كيف يرى نفسه كما هي وليس كما يحب أن يراها وكيف يواجهها وليس كيف يهرب منها وكيف يصدق مع الله وليس كيف يظهر ذلك للناس
بداية الطريق ليست أن تتكلم بشكل مختلف بل أن ترى نفسك بصدق لأول مرة
ومن هنا يبدأ التحول
ومن هنا يبدأ السير
ومن هنا يبدأ الوصول