غنائم المسلمون

المقال الثالث عشر من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).

فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن

الباحث فى الشئون الاسلامية

واختلف المسلمون في اقتسام الغنائم التي غنموها في بدر:                                                   

1 – فقال الشباب الذين اندفعوا يتعقَّبون فلول المشركين: نحن الذين نحَّيْنا العدو عن الغنائم وهزمناهم، ولولانا ما أصابها ما أصابها

 2- وقال الَّذِين أحاطوا برسول الله ينافحون عنه: نحن الذين خفنا على رسول الله ﷺ أن يُصِيب العدوُّ منه غرَّة، فاشتغلنا به عن جمع الغنائم.

3- وقال الذين جمعوا الغنائم، نحن الذين استحوذنا عليها، وليس لأحد فيها نصيب.

     وسألوا رسول الله بشأن الغنائم وكيفية تقسيمها فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تجمع الغنائم حتى يحكم الله فيها، فأنزل الله قوله في سورة الأنفال: “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ “الأنفال: 1.

 وأنزل الله فيها: “وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” الأنفال: 41 ، ويوم الفرقان هو: يوم معركة بدر. واحتمل الرسول صلى الله عليه وسلم معه الغنائم والأنفال، وهو قافل بجيشه إلى المدينة، وجعل عليها عبدالله بن كعب. فلما خرج من مضيق الصفراء نزل على كثيب، وقسم هنالك الغنائم على المسلمين بالتساوي، بعد أن أخذ منها الخمس، كما أمر الله.

 -الأسرى:

ولما وضع المسلمون أيديهم على أهل الشرك يأسرون منهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش، وسعد بن معاذ قائم على بابه يحرسه متوشحًا سيفه، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس، فقال له: (والله لكأنك، يا سعد، تكره ما يصنع القوم؟).                                                  قال سعد: أجل، والله، يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل بأهل الشرك أحب إلي من استبقاء الرجال. وأنزل الله بشأن أسرى بدر مبينًا أن اتخاذ الأسرى لم يحن حينه بعد، ووجه اللوم على ذلك، فقال عَزَّ وَجَلَّ في سورة الأنفال: “مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” الأنفال: 68 .                 حتى يثخن: أي: حتى تكون له قوة قوية غالبة، وقواعد ثابتة راسخة.

 ولما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة، فرق الأسارى بين أصحابه، وقال: استوصوا بالأسارى خيرًا، وعمل المسلمون بوصية الرسول بهم. ثم استشار الرسول أصحابه بشأنهم:  – فقال أبو بكر: يا رسول الله، هؤلاء بنو العم، والعشيرة، والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترى، يا ابن الخطاب)؟ – فقال عمر بن الخطاب: والله، ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان – قريب لعمر – فأضرب عنقه. وأن تمكن عليًّا من أخيه عقيل، فيضرب عنقه. وأن تمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه؛ حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم.

-3 وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم انظر واديًا كثير الحطب، فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم نارًا. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يردَّ عليهم شيئًا، ومكث ساعة ثم خرج، والصحابة ما بين قائل برأي أبي بكر، وقائل برأي عمر، وقائل برأي ابن رواحة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون أليَن من اللِّين، وإن الله ليشدُد قلوب رجال فيه حتى تكون أشَدَّ مِن الحجارة، وإن مثلك، يا أبا بكر، كمثل إبراهيم قال: “فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” إبراهيم: 36 ، وكمثل عيسى قال: “إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” المائدة: 118. وإن مثلك، يا عمر، كمثل نوح قال: “رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا” نوح: 26 ، وكمثل موسى قال: “رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ” يونس: 88 ، أنتم اليوم عالة “أي: فقراء”، فلا يفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق).

فقال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني قد سمعته يذكر الإسلام. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله: فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي حجارة من السماء من ذلك اليوم، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إلا سهيل بن بيضاء) فسُرِّي عنه.

ورجَّح النبي صلى الله عليه وسلم رأي الصديق لما جبل عليه قلبه من الرأفة والرحمة، وقبل أخذ الفداء مقابل إطلاق الأسرى. ومن كان له أو لذويه مال افتدى بمال: بأربعة آلاف درهم فما دون ذلك إلى ألف درهم. وقبل الرسول فداء بعض الأسرى ممن كان يحسن القراءة والكتابة، مقابل تعليمه عشرة غلمان من غلمان المسلمين القراءة والكتابة. فعن جابر بن عامر، قال: أَسرَ رسول اللهّٰ صلى الله عليه وسلم يوم بدر سبعين أسيراً، وكان يفادي بهم على قدر أموالهم، وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبون، فمن لم يكن عنده فداء دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم، فإذا حذقوا فهو فداؤه.

وعن عبيدة، أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فقال: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم أخذتم منهم الفداء، ويسُتشهد قابل منكم سبعون. قال: فنادى النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه، فجاءوا أو من جاء منهم، فقال: «إن هذا جبر يل يخيركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم، وبين أن تفادوهم، ويستشهد قابل منكم بعدتهم»، فقالوا: بل نفاديهم، فنتقوى به عليهم، ويدخل قابل منا الجنة سبعون؛ ففادوهم. وبدأ المسلمون فعلاً بأخذ الفداء، فالذي كان لديه مال يدفع مالاً، والمال يتراوح من 1000 إلى 4000 درهم للرجل حسب الحالة المادية له.