الصفات النفسية لجنود أهل بدر

المقال التاسع عشر من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).

فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن

الباحث فى الشئون الاسلامية

   

5- النفوس العظيمة لا يعوقها عن هدفها عائق :

 كان عمير بن أبي وقاص رضي الله عنه شاباً لا يتجاوز عمره ١٦ عاماً، فهو في تعريف منظمة الصحة العالمية طفل؛ لأن الأطفال في تعريفهم تحت ١٨ سنة، وفي تعريف القيم والأخلاق والمبادئ والعقائد يعد من سادة الرجال رضي الله عنهم، تقدم رضي الله عنه ليجاهد مع المجاهدين في بدر، لكن خاف أن يرده الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يزال صغيراً، فأخذ يتوارى بين القوم حتى لا يراه الرسول عليه الصلاة والسلام فيرده، فرآه أخوه المجاهد العظيم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.قال له: ما يحملك على هذا؟ قال: أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستصغرني ويردني، وأنا أحب الخروج لعل الله يرزقني الشهادة.سبحان الله! كانت لديه أمنية حلوة أن يموت وعمره لا يتجاوز ١٦ سنة، رآه الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يختبئ منه، فأشفق عليه من القتال ورده فبكى عمير؛ لأنه ستضيع عليه فرصة الموت في سبيل الله، فرق له صلى الله عليه وسلم لما رآه يبكي وسمح له بالجهاد، فجاهد واشتاق بصدق للشهادة، فاستشهد ودخل الجنة.

هكذا فهم عمير بن أبي وقاص الجنة وهو لم يكلف إلا منذ سنتين أو ثلاث سنوات، فهم ما يعجز عن فهمه الأشياخ والحكماء والعباقرة، فيا له من منهج تربوي إصلاحي واقعي لا يرقى إليه أي منهج من المناهج!

إن صفات أهل بدر الجميلة كثيرة، من أهم صفاتهم: أنهم جيش مؤمن بالله، ومؤمن بالرسول صلى الله عليه وسلم ، ومؤمن بالجنة، ومن غير الإيمان لا يمكن أن يكون هناك نصر، وهذا القول لا نقوله كنوع من الترف الفكري، أو القصص التاريخي الذي ليس له واقع في حياة الناس، إنما نقوله ليكون منهجاً في حياتنا، ومنهجاً في تربية الأطفال والرجال والنساء، ومن غير هذا المنهج لا يوجد فرصة للإصلاح، دعوكم من مناهج الشرق والغرب، ومناهج الإصلاح الوهمية والمبنية على طلب الدنيا وبأي وسيلة، إن هذه المناهج لا تورث إلا كآبة وتعاسة في الدنيا، وشقاء وذلاً في الآخرة.                             وإياكم أن تظنوا أن الغرب والشرق من أصحاب المال والسلطة والجاه والملك يعيشون في سعادة، أبداً، من يفقد منهم ماله ينتحر، ومن يموت له ابن أو حبيب يكتئب وينعزل عن المجتمع، ومن يتعرض لمصيبة تكون هذه نهاية الدنيا عنده، ومن وجد نفسه فقيراً أو من عائلة صغيرة، أو يعيش في وضع اجتماعي صغير يعيش معقداً حاقداً على المجتمع، حاسداً لكل الأغنياء، وقد يكون سارقاً وقاتلاً ومرتشياً وفاسداً، ويعيش حياة الإجرام، ولا يوجد عنده بديل.

روى الحاكم -وقال: صحيح على شرط مسلم- عن أنس رضي الله عنه وأرضاه: (أن رجلاً أسود أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إني رجل أسود – أي: رجل فاقد لكل مقومات الوجاهة في الدنيا ومتاعها – منتن الريح قبيح الوجه لا مال لي، فإن أنا قاتلت هؤلاء حتى أقتل فأين أنا؟ فقال ﷺ في الجنة، فقاتل الرجل حتى قتل، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم بعدما استشهد، ووقف بجانبه، يعلم الصحابة ويعلمنا – ويقول: قد بيض الله وجهك – ألم يكن يقول: إني رجل أسود؟! – وطيب ريحك وأكثر مالك)، ومعلوم أن أقل أهل الجنة ملكاً له عشرة أمثال الدنيا، فالجنة فيها سلوى وتعويض لكل مؤمن فقد أي شيء، وفيها الجزاء لكل من تعب أو سهر أو بذل أي مجهود للإصلاح.الجنة صبّرت أم حارثة، وشجعت عمير بن الحمام، وعمير بن أبي وقاص وسعد بن خيثمة، وحارثة بن سراقة وغيرهم الجنة جعلت الحباب بن المنذر يقول رأيه؛ لكي يفيد المسلمين ويدخل الجنة بعد ذلك.

 الجنة جعلت المكروه محبوباً وجعلت الموت مطلوباً، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (ألا مشمر للجنة؟ ألا مشمر للجنة؟ -أي: هل هناك من يريد الجنة- فإن الجنة لا خطر لها -يعني: لا مثيل لها- هي -ورب الكعبة- نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبداً، في حبرة ونضرة، في دور عالية سليمة بهية، فلما سمع الصحابة ذلك قالوا: يا رسول الله! نحن المشمرون لها؟ قال: قولوا: إن شاء الله). وهكذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهاد وحض عليه، وأعطاهم شيئاً عملياً يدخلون به الجنة. والحديث في صحيح ابن حبان وسنن ابن ماجه. فعندما تملأ الجنة حياتنا بهذه الصورة، وتصبح هدفاً واضحاً في تفكيرنا، وحين نأخذ قراراً أو نعمل عملاً أو نقول كلمة أو نضحك ضحكة أو نسافر أو نقعد أو نحب أو نكره، عندما تصبح الجنة محركاً لكل حياتنا، فإننا سنرى نصراً مثل نصر بدر، وتمكيناً وعزة وسيادة مثل الذي حصل في بدر تماماً بتمام.

6- من أسباب نصر الله لعباده المؤمنين أن يكونوا متحابين متآلفين متماسكين:

مهما اختلفت أجناسهم، إذ إن رابطة الدين أقوى من رابطة النسب، فتحقيق هذا الأمر مع غيره من المطلوبات الشرعية يحقق الصدق مع الله الذي نصر به المسلمون في غزوة بدر وغيرها من الغزوات، وخذل به أعداؤهم، وأنزل الله لتأييدهم جنوداً من عنده سبحانه.

7- الوحدة والتماسك بين المؤمنين على أساس الدين لا النسب:

 ما زالت هناك صفات مهمة، وكلها واضحة في أهل بدر: الوحدة والألفة والتماسك والترابط بين أفراد الجيش الواحد، وبين أفراد الأمة الواحدة، فإنه لا يوجد نصر من غير وحدة. هذه قاعدة، لكن الوحدة في الجيش المنصور لا بد أن تكون وحدة عقائدية، بمعنى: أن الرابط الرئيسي بين المسلمين هو الإسلام، لا قبلية ولا لون ولا عنصر ولا وضع اجتماعي ولا أي شيء من متعلقات الدنيا، فالوحدة في الله والأخوة في الله هما اللتان تنفعان فعلاً.انظر إلى أهل بدر! جيش قوي متماسك، مع أن تركيبته عجيبة خاصة في هذا التوقيت، قبل الإسلام كان الرباط الأساسي في الجزيرة -ولعله الوحيد- هو رباط القبلية، حتى قالوا كلمتهم الفاسدة: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، ليس من المهم في أيام الجاهلية أين الحق أو العدل، لكن المهم أن هذا من قبيلتي سواء كان ظالماً أو مظلوماً لا فرق، فجاء الإسلام ليغير المقاييس الباطلة التي كانت الجاهلية تحكم بها، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال الكلمة نفسها لكن بتعديل كبير جداً في المفهوم والتصور.قال لأصحابه: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوما)، متفق عليه فتعجب الصحابة، وقالوا: (يا رسول الله! ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً؟ قال صلى الله عليه وسلم تمنعه من الظلم؛ فإن ذلك نصره).

وهكذا فإن أخي هو المشترك معي في العقيدة، ليس مهماً ما هي قبيلته أو بلده، أنصره بالعدل والحق فقط، ولو ظَلَم أشترك مع غيري كي أرده عن ظلمه، وأكبر ظلم في الدنيا هو الإشراك بالله عز وجل: “وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ” لقمان:١٣ ؛ لذلك رأينا التلاحم والتناصر والوحدة بين الطوائف المختلفة من أهل بدر، هذه الطوائف لم يجمعها إلا شيء واحد فقط هو الإسلام، فقد حاولوا أن يردوا الظلم الذي ارتكبه غيرهم، حتى لو كان الظالمون الآباء والأبناء والأقارب والعشيرة.

إن جيش المسلمين في بدر كان فيه المهاجر الذي من قريش، والأنصاري الذي من الأوس والخزرج وفرع قريش بعيد جداً عن فرع الأوس والخزرج، فقريش من العدنانيين، والأوس والخزرج من القحطانيين، فرعان مختلفان تماماً، ومع ذلك لأول مرة في تاريخ العرب يكونون جيشاً واحداً، والذي جمعهم هو الإسلام؛ هذه نقطة من أهم نقاط بناء الأمة الإسلامية.

إن هذا الجيش لم يكن من كل القبائل فقط، بل كان فيه العربي وغير العربي، فـ بلال كان في هذا الجيش مع أنه حبشي، ولم يشعر مطلقاً بالغربة في هذا الجيش الذي يغلب عليه العرب، ولم يشعر العرب في داخل الجيش بأن هناك عنصراً غريباً في داخل الجيش من الحبشة، بل التعاون والتلاحم بينهم كان على أكبر مستوى.