نقل النزاع من فروع الفقه إلى أصول العقيدة

بقلم أ : محمد عطية
معلم أول بالأزهر الشريف

يقولُ المبتدعُ الوهابيُّ:
«لا يجوزُ الدعاءُ عند القبور؛ لأنَّ الميِّتَ لا ينفعُ الحيَّ، وهذا بدعةٌ وشِركٌ وقَبوريَّة، والدعاءُ عبادةٌ، والعبادةُ لا تُصرَفُ إلا لله».

والجواب من كلام الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
قال الإمام ابن تيمية رحمه الله:
«ولا يدخل في هذا الباب ما يُروى من أنَّ قومًا سمعوا ردَّ السلام من قبر النبي ﷺ، أو قبور غيره من الصالحين،
وأنَّ سعيدَ بن المسيَّب كان يسمع الأذان من القبر لياليَ الحَرَّة، ونحوَ ذلك.
(فهذا كلُّه حقٌّ، ليس ممَّا نحن فيه، والأمرُ أجلُّ من ذلك وأعظم).
وكذلك أيضًا ما يُروى: أنَّ رجلًا جاء إلى قبر النبي ﷺ، فشكا إليه الجدبَ عامَ الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتيَ عمرَ، فيأمره أن يخرج فيستسقي بالناس؛
فإنَّ هذا ليس من هذا الباب».

[قلتُ:فهذا فيه إقرارٌ صريحٌ من ابن تيمية بوقوع الاستغاثة والطلب عند القبر الشريف، ووقوع ذلك في زمن السلف، مع تصريحه بأنَّه حقٌّ، وقوله: «الأمر أجل من ذلك وأعظم».
فلم يُنكر، ولم يُكفِّر، ولم يحكم بالشِّرك.]

ثم قال الإمام ابن تيمية رحمه الله:
«ومثلُ هذا يقع كثيرًا لمن هو دون النبي ﷺ، وأعرِفُ من هذا وقائع.
وكذلك سؤالُ بعضهم للنبي ﷺ، أو لغيره من أمته حاجةً فتُقضى له؛ فإنَّ هذا قد وقع كثيرًا، وليس هو ممَّا نحن فيه».

[تنبيه: هذا نصٌّ صحيح صريح وإقرار منه في وقوع قضاء الحاجات عند قبور الصالحين.]

ثم قال رحمه الله:
«وعليك أن تعلم أنَّ إجابةَ النبي ﷺ أو غيره لهؤلاء السائلين ليس ممَّا يدلُّ على استحباب السؤال»

[تنبيه مهم: لفظ «استحباب» اصطلاحٌ فقهيٌّ صِرف يعرفه اصغر طالب في اعدادي ازهر وهوا يدل دلالةً قاطعة على أنَّ المسألة من فروع الفقه لمن في عقله مثقال ذرة من فقه لا من أصول العقيدة وبذلك يهدم ابن تيمية أصلَ الدعوى الوهابية المبتدعه التي نقلت المسألة من فروع الفقه إلى أصول العقيده ثم رتَّبت عليها التكفير والتشريك للمسلمين الموحدين ]

ثم قال رحمه الله:
«فإنَّه هو القائل ﷺ:
إنَّ أحدهم ليسألني المسألة فأُعطيه إيَّاها، فيخرج بها يتأبَّطها نارًا.
فقالوا: يا رسولَ الله، فلم تُعطيهم؟
قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البُخل».
وأكثرُ هؤلاء السائلين المُلحِّين، لما هم فيه من الحال، لو لم يُجابوا لاضطرب إيمانُهم، كما أنَّ السائلين به في الحياة كانوا كذلك، وفيهم من أُجيب وأُمر بالخروج من المدينة.
فهذا القدرُ إذا وقع يكون كرامةً لصاحب القبر، أمَّا أن يدلَّ على حسن حال السائل، فلا فرق بين هذا وهذا
فإنَّ الخلق لم يُنهَوا عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجدَ استهانةً بأهلها، بل لما يُخاف عليهم من الفتنة،
وإنَّما تكون الفتنة إذا انعقد سببُها، فلولا أنَّه قد يحصل عند القبور ما يُخاف الافتتان به، لما نُهي الناس عن ذلك».

[قلتُ هنا توضيح لابد منه : فابن تيمية يمنع خشيةَ الفتنة عند تحقُّق أسبابها
ولو سلمنا جدلًا بإمكان وقوعها، فلا ادري صراحة أيُّ فتنةٍ تُوجب منع الدعاء
مع أنَّ المخالفات تقع في عباداتٍ عظيمةٍ كصلاة العيد، والتراويح، والعمرة والحج، وغيرها كثير
فهل يُقال بمنع هذه العبادات لمجرَّد احتمال الفتنة؟!
وقاعدة سدِّ الذرائع ليست سدًّا مطلقًا ولا فتحًا مطلقًا، فإنها بمثابة المشرط بالنسبه للطيب الجراح فأفهم تنعم
وللإمام الشاطبي رحمه الله كلامٌ نفيسٌ شافٍ في ذلك في الاعتصام ]

ثم قال ابن تيمية رحمه الله:
«وكذلك ما يُذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين، مثل:نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقِّي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها وعمن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانهم من الموتى،واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن استهانها؛(فجنسُ هذا حقٌّ) ليس ممَّا نحن فيه.وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة الله ورحمته، وما لها عند الله من الحرمة والكرامة، فوق ما يتوهَّمه أكثر الخلق، لكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك وكلُّ هذا لا يقتضي استحبابَ الصلاة، أو قصدَ الدعاء، أو النُّسُك عندها؛ لما في قصد العبادات عندها من المفاسد التي علمها الشارع، كما تقدَّم».
انتهى

الخلاصة
يُقِرُّ الإمام ابن تيمية رحمه الله بوقوع الكرامات للأولياء بعد موتهم.
ويُقِرُّ بوقوع الخوارق والحوادث وقضاء الحاجات عند قبور الأنبياء والصالحين.
ويصرِّح بأنَّ ذلك كلَّه «حقٌّ».
ولم يقل: شِرك، ولا كفر، ولا قبوريَّة.
وإنما كان المنع عنده من باب سدِّ الذريعة لا من باب التكفير أو التشريك

واخيرا فإن قيل اليس الدعاء هوا العباده والعبادة لاتصرف الا لله
نقول :
ليس كلُّ دعاءٍ يُعَدُّ عبادةً، بل الدعاءُ منه الشرعيُّ ومنه اللغويُّ؛ والذي هو من العبادة هو الدعاءُ الشرعيُّ لا اللغويُّ. فالدعاءُ اللغويُّ جائزٌ أن يكونَ لغيرِ الله، خلافَ الدعاءِ الشرعيِّ؛ لأن الدعاءَ اللغويَّ هو مجرّدُ النداءِ.
فمن الدعاءِ اللغويِّ قولُه تعالى:
﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾،
وقولُه تعالى:
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾،
وقولُه تعالى:
﴿حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ﴾.
وأمّا الدعاءُ الشرعيُّ فأمثلته في القرآن كثيرةٌ لا تكادُ تُحصى، ومن ذلك:
﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾،
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾،
﴿يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾،
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾،
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾.
فمن الجهلِ الخلطُ بينهما؛ فليس كلُّ دعاءٍ لغيرِ الله يكونُ ممنوعًا، وما من أحدٍ إلا وهو يقعُ في الدعاءِ لغيرِ الله في كلِّ يومٍ، في دعائِه لأهلِه وولدِه وأصحابِه. ومخاطبةُ النبيِّ ﷺ هي من بابِ الدعاءِ اللغويِّ، أو قل: من بابِ النداءِ، وذلك أيضًا من التوسّلِ إلى اللهِ به ﷺ.

واللهُ تعالى أعلى وأعلمُ وأكرم،
وصلّى اللهُ وسلَّم وبارك وكرَّم وشرَّف على حضرةِ سيِّدِنا محمدٍ ﷺ.