خطبة بعنوان ( الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ) للدكتور مسعد الشايب


خطبة بعنوان ( الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة )

للدكتور : مسعد الشايب

الجمعة الموافقة  18من شعبان  1447هـ الموافق 6/2/2026م

لتحميل الخطبة pdf اضغط أدناه
aldawa ela allah

أولا: العناصر:

  1. الأمر بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

  2. من مظاهر وأمارات وعلامات الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

  3. الخطبة الثانية: (النهي عن المبالغة في تكاليف الزواج).

ثانيا: الموضوع:

الحمد لله رب العالمين، سهل علينا كل عسير، ورفع عنا الحرجَ، والمشقةَ، والإصرَ، والتعسيرَ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، سبحانه سبحانه ما جعل علينا في الدين من حرج، ولا كلف نفسًا إلا وسعها، ولا كلفها إلا ما آتاها، وأَشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عَبدُه ورسولُهُ، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا، فاللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَيه وعلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ، وبعد:

  • ((الأمر بالدعوة إلى الله بالحكمة، والموعظة الحسنة))

أيها الأحبة الكرام: يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل مخاطبًا نبينا صلى الله عليه وسلم: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}[النحل:125]، هذه الآية المباركة بيانٌ لقول الله (عزّ وجلّ) قبلها: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[النحل:123]، وملة سيدنا إبراهيم (عليه السلام) هي دين الإسلام، ودين الإسلام مبني على قواعد الحنيفية والسماحة.

فالآية المباركة ترسم لكل داعية إلى الله (عزّ وجلّ) كيفية الدعوة، وطريق نجاحها، وإذا كان الخطاب موجهٌ للنبي صلى الله عليه وسلم، فالدعاة إلى (عزّ وجلّ) مطالبون بذلك من باب أولى تأسيًا واقتداءً واهتداءً بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، والمفسرون يقولون: إن تلك الآية تنبيهٌ بالأعلى وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ على الأدنى، وهم الدعاة إلى (عزّ وجلّ)، أو إنها أمرٌ بالمدوامة والاستمرار على ذلك.

فالداعية إلى الله (عزّ وجلّ) لا بد أن يكون وارثًا للجناب المحمدي في تحليه بالحكمة، والموعظة الحسنى في طريق دعوته لله (عزّ وجلّ).

والحكمة: هي المعرفة المحكمة، الصائبة المجردة عن الخطأ، فلا تطلق الحكمة إلا على المعرفة الخالصة عن شوائب الأخطاء، وبقايا الجهل في تعليم الناس وفي تهذيبهم.

ولذلك عرفوا الحكمة بأنها: معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية بحيث لا تلتبس على صاحبها الحقائق المتشابهة بعضها ببعض، ولا تخطئ في العلل والأسباب. وهي اسم جامع لكل كلام أو علم يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم إصلاحا مستمرا لا يتغير، وتطلق الحكمة أيضًا على العلوم الحاصلة للأنبياء، ويرادفها الحكم.

والموعظة الحسنة: القول الحسن الذي يلين نفس المدعوين لفعل الخير، وهي أخص من الحكمة لأنها حكمة لها أسلوب خاص في إلقائها.

  • ((من مظاهر، وأمارات، وعلامات الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة))

أيها الأخوة الأحباب: إن الدعوة إلى الله (عزّ وجلّ) بالحكمة والموعظة لها مظاهرٌ، وعلاماتٌ، وأمارات، فهي ليست كلامًا إنشائيًا، ولا شعارات ترفع، ول الافتات تعلق، وإنما هي واقعٌ مطبق في تاريخ دعوتنا الإسلامية، من تلك المظاهر، والعلامات، والأمارات: 

1ـ تصحيح المصطلحات والمفاهيم المغلوطة، فتصحيح المصطلحات والمفاهيم أمرٌ قديمٌ قدم الدعوة الإسلامية، قام به القرآن الكريم، انظر إلى قول الله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}[البقرة:177]، نزلت تلك الآية ردًّا على اليهود الذين ادعوا أن الإيمان والتقوى والتقرب إلى الله يكون بصلاتهم تجاه قبلتهم، وإنما الإيمان، والتقوى، والتقرب إلى الله يكون بكل ما في تلك الآية من الأمور العقدية، والأمور العملية، والأخلاق الحميدة.

ويقول سبحانه وتعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[التوبة:19]، نزلت هذه الآية ردًّا على من ادعوا من المؤمنين والمشركين أن سقاية الحجيج في موسم الحج، وعمارة المسجد الحرام أفضل من الإيمان بالله واليوم الأخر كما ادعى الكفرة والمشركون، أو أفضل من الجهاد في سبيل الله كما ادعى بعض المسلمين.

وكما قام القرآن الكريم بتصحيح المصطلحات والمفاهيم المغلوطة قام بذلك أيضًا نبينا صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟). قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد. قال: (إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ). قالوا: فمن هم يا رسول الله؟. قال: (مَنْ قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ)(رواه مسلم).

وعن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُمْ؟). قلنا: الذي لا يولد له، قال: (لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا). قال: (فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟). قلنا: الذي لا يصرعه الرجال. قال: (لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ)(رواه مسلم)، (الرقوب) في كلام العرب الذي لا يعيش له ولد،(الصرعة) أصله في كلام العرب الذي يصرع الناس كثيرًا.  

ومعنى الحديث: إنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت أولاده، وليس هو كذلك شرعًا، بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته فيحتسبه ويكتب له ثواب مصيبته به وثواب صبره عليه ويكون له فرطا وسلفا، وكذلك تعتقدون أن الصرعة الممدوح القوي الفاضل هو القوي الذي لا يصرعه الرجال بل يصرعهم، وليس هو كذلك شرعًا، بل هو من يملك نفسه عند الغضب، فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل مَنْ يقدر على التخلق بخلقه، ومشاركته في فضيلته بخلاف الأول.

إن الحكمة من تصحيح المصطلحات والمفاهيم: هي البيانُ الحقُ لمراد المولى تبارك وتعالى في بعض الأمور، والقضايا، وتجنب الوقوع في الخلاف والشقاق الناشئ عن الخطأ في المصطلح والمفهوم، والنقل، والتبليغ الصحيح لدين الله (عزّ وجلّ)، والحث على أشياء قد يتراخى المؤمنون في فعلها، أو الرضى بها، والتحذير من ارتكاب أشياء لا تليق بإيمانهم وتوحيدهم…وهكذا، أيضًا من مظاهر، وأمارات، وعلامات الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة:

2ـ التحلي بالرأفة والرحمة، والحلم واللين مع المدعوين، والبعد عن التعنيف والتغليظ، فسلوك المدعوين وحالهم لا يخلو من جهل أو اعوجاج، انظروا إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو يقوم سلوكًا معوجًا بكل لطف ورأفة ويسر وسهولة، ولين ورحمة، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه)، أن أعرابيًا، وهو (ذو الخويصرة اليماني) دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَقَدْ تَحَجَّرْتَ (ضيقت) وَاسِعًا). ثم لم يلبث هذا الإعرابي أن بال في ناحية من المسجد، فأسرع الناس إليه (ليعاقبوه)، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ، صُبُّوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ)(رواه أبو داود).

وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ)، أي: لا تقطعوا عليه بوله، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: (إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ)(رواه مسلم)، فنبينا صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يقوم سلوك المخطئ بتعليمه بكل يسر وسهولة، ولطف ورأفة، ولين ورحمة، ويقوم سلوك من أراد الإصلاح بنهيهم عن الشدة والغلظة، وبيان أنها لا تجدي ولا تثمر في التعلم شيئًا.

وعن أبي أمامة (رضي الله عنه): إن فتى شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مه. مه. فقال: (ادْنُهْ). فدنا منه قريبًا. قال: فجلس، فقال: (أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟). قال: لا. والله جعلني الله فداءك. قال: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ). قال: (أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟). قال: لا. والله يا رسول الله جعلني الله فداءك قال: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ). قال: (أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟). قال: لا. والله جعلني الله فداءك. قال: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ). قال: (أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟). قال: لا. والله جعلني الله فداءك. قال: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ). قال: (أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟). قال: لا، والله جعلني الله فداءك. قال: (وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ). قال: فوضع يده عليه وقال: (اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ). قال (أبو أمامة): فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. (رواه أحمد والطبراني في الكبير).

وانظروا إلى سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقد كلمه أسامة بن زيد (رضي الله عنهما) في شأن المرأة المخزومية التي سرقت. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)(متفق عليه)، أيضًا من مظاهر، وأمارات، وعلامات الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة:

3ـ الابتعاد عن التشدد والغلو، والنهي عنه وترك التعسير على الناس، فالحق تبارك وتعالى يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج:78]، وقال صلى الله عليه وسلم: (بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)(متفق عليه، واللفظ لمسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ)(رواه ابن ماجه).

وقال صلى الله عليه وسلم لسيدنا عبد الله بن عمرو (رضي الله عنهما): (يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟). فقال: بلى يا رسول الله قال: (فَلاَ تَفْعَلْ صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا…)(متفق عليه)، وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: (إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ رَبِّكَ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا سَفَرًا قَطَعَ، وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى، فَاعْمَلْ عَمَلَ امْرِئٍ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَمُوتَ أَبَدًا، وَاحْذَرْ حَذَرًا يَخْشَى أَنْ يَمُوتَ غَدًا)(السنن والشعب للبيهقي).

وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، وحبلٌ ممدودٌ بين ساريتين، فقال: (مَا هَذَا؟). قالوا: لزينب (بنت جحش) تصلي، فإذا كسلت، أو فترت أمسكت به. فقال: (حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ، أَوْ فَتَرَ قَعَدَ)(متفق عليه).

وعن ابن عباس (رضي الله عنهما)، قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ)(رواه البخاري).

وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه)، قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، قيل: هم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو، وعثمان بن مظعون (رضي الله عنهم)، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها (عدوها قليلة)، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟، قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: (أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)(اللفظ للبخاري).

عباد الله، وأحباب رسوله الكريم: إن المخالفة للهدي القرآني، والبيان النبوي في الأخذ بالتيسير، والوسطية في الدعوة إلى الله لا يأتي بخير، وقد ابتلى الإسلام بنابتة، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام تجرأوا على أحكام الدين، والفتيا بغير علم، وتشددوا فضلوا، وأضلوا، مع أن الحق تبارك وتعالى يقول: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}[الإسراء:36]، أي: لا تقل ما ليس لك به علم.

عباد الله: البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والدّيّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فالتائب من الذنب كمَنْ لا ذنب له

 (الخطبة الثانية)

((النهي عن المبالغة في تكاليف الزواج))

الحمد لله رب العالمين، أعدّ لمَنْ أطاعه جنات النعيم، وسعرّ لمَنْ عصاه نار الجحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

أيها الأحبة الكرام: فمن صور الفساد الاجتماعي التي نهتنا الشريعة الإسلامية عنها، تعسير أمور الزواج والمغالاة والمبالغة في تكاليفه ـ بتكليف الشباب المقبل عليه ما لا يطيق ولا يتحمل ـ لما يترتب على ذلك من:

1ـ عزوف الشباب عن الزواج، فقد أصبح الزواج اليوم مرهقًا ومكلفًا بسبب العادات والتقاليد التي أنيطت به ولا أساس لها من الكتاب أو السنة، فاليوم الشاب مطالبٌ بأن يعدُّ شقة بها عدد معين من الحجرات وقد كان الرجل قديمًا يعيش هو وأولاده في حجرة واحدة، كما كان المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ومطالبٌ بأن يجهز عدة حجرات من النوم له وللأطفال وللضيوف، ولا ندري هل سيرزق بأطفال أم لا؟، وقد كان الزواج قديمًا بسريرٍ واحد ودولاب بسيط للملابس، ومطالبٌ بأن يقام الزفاف في قاعة احتفالات تكلفه الآلاف من الجنيهات، وفي بعض البلدان مطالب بأن يقدم بعضًا من الجرامات الذهبية التي تتخطى في بعض الأحيان الكيلو جرام…الخ.

إنني لا أنكر ذلك على من استطاع ذلك طالما لم يقع في محرمٍ يغضب الله ورسوله ـ على أن التوسط وعدم الإسراف، والترشيد في الاستهلاك عمومًا هدي قرآني ونبوي ـ ولكنني ضد تعميم ذلك على الغني والفقير، والقادر وغير القادر، أيضًا مما يترتب على المبالغة في تكاليف الزواج، وتعسير أموره:

2ـ الوقوع في الإسراف المنهي عنه، بقوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[الأعراف:31]، ويا ليت أمر المبالغة في تكاليف الزواج وقف عند الإسراف، فالإسراف لا يكون إلا في الحلال، ولكن المبالغة في تكاليف الزواج تخطت الحلال، وصارت إلى الحرام، وأضحى الإسراف تبذيرًا، وقد نهينا عن التبذير بقول الله تعالى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا*إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}[الإسراء:27،26]، أيضًا مما يترتب على المبالغة في تكاليف الزواج، وتعسير أموره:

3ـ كثرة العوانس، وانتشار الزنا والفواحش، وتلك نتيجة طبيعية لعزوف الشباب عن الزواج بسبب المغالاة في تكاليفه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ). وفي رواية الترمذي: (وَفَسَادٌ عَرِيضٌ), قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟. قَالَ: (إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ). ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)(الترمذي وابن ماجه)، أيضًا مما يترتب على المبالغة في تكاليف الزواج، وتعسير أموره:

4ـ الحرمان من البركة الموعودة في التيسير وعدم المبالغة في تكاليف الزواج، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً)(رواه أحمد)، وفي رواية عنده أيضًا: (أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً).

عباد الله، وأحباب رسوله الكريم: إن الشريعة الإسلامية لم تشترط في الزواج إلا الصلاح، فقال سبحانه وتعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}[النور:32]، وقال صلى الله عليه وسلم: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ)(متفق عليه)، وقال أيضًا: (مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ)(رواه ابن ماجه).

وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم شابًا على ما يحفظه من كتاب الله (عزّ وجلّ)، وتزوج الإمام علي (رضي الله عنه) السيدة فاطمة (رضي الله عنها) على درعه الحطمية التي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم إياها، وكانت قيمتها أربعة دراهم فقدمها مهرًا لها، وكان جهازها: خميل (لحاف قطيفة للغطاء به)، وقربة (لشرب الماء)، ووسادة من أدم (جلد) حشوها إذخر(حشيشة رطبة طيبة الرائحة).

فاللهمّ إنّا نسألك رضاك والْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنعُوذُ بِكَ مِنَ سخطك ومن النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَما مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء، وأمدنا بالدواء والغذاء والكساء، اللهم اصرف عنّا السوء بما شئت، وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنّا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.

كتبها  الشيخ الدكتور/ مسعد أحمد سعد الشايب