الاختلاف بين البشر: حكمةٌ إلهية لا فوضى بشرية
10 نوفمبر، 2025
منهج الصوفية

المقال من سلسلة : سألنى أحد المريدين ( المحبين ) .
بقلم الكاتب والداعية الإسلامى الدكتور : رمضان البيه
سألني أحد المريدين المٌحبين عن سر الخلاف والاختلاف بين البشر في قضية الإيمان وفي الأفكار والرؤي ونظر كل واحد لنفسه أنه على صواب وغيره على خطأ ؟
فأجبته قائلا :
إعلم أيها المريد أن الدنيا دار الإختبار والإختيار ، ومع وجود الأنفس والأغيار ، وإختلاف العقول وتفاوت الأفهام ، وتنوع التربة التي خلق منها البشر والتي منها السهل الهين اللين والصخر الجامد القاسي ، ولوجود أدوات الفتن والتضليل من شيطان عدو لدود حسود مُسلط ومتوعد ، ونفس أمارة بالسوء تحكمها الأنوات والاهواء والغرائز والشهوات ، ودنيا دار غرور مليئة بالفتن ، لكل ذلك كان لا بد من وجود الخلاف والإختلاف في كل شئ حتى في القضايا الإيمانية والعقائدية .
فنجد حال البشر بين مؤمن ومصدق ، وكافر ومكذب ، وبين مؤمن موحد شاكر لأنهم الله تعالى ، وكافر ومكذب وجاحد بنعم الله عز وجل .
هذا ولإختلاف معادن الناس وتفاوت حظها من أنوار حضرة الربوبية التي أشرق الله تعالى بها على الأرواح في عالم الذر . العالم الذي أخذ الله جل جلاله فيه العهد والميثاق على أرواح بني آدم ، فأرواح أهل الإيمان حظت بأنوار التجلي فتزكت وإستنارت ، وأرواح أهل الكفر والشرك والضلال حُرمت من أنوار التجلي فصاحبتها رؤية الأنفس والظلمة ..
من هنا جاء الإختلاف وعدم الإلتقاء على عقيدة واحدة ورأي أو شيئ واحد ، أو على شخص واحد . أو فكر واحد . وهذه ظاهرة طبيعية منذ أن وطأت أقدام البشر الأرض ومن هنا ولأجل ذلك كان الصراع قائم دائم بين أهل الخير وأهل الشر ، وفي الحقيقة أن هذه المسألة لله تعالى فيها شأن وحكمة ، وهي أيضا سُنة الله تعالى في خلقه ولوجودنا في عالم الأضداد ، عالم جمع ما بين ” الخير والشر ” والعلم والجهل ، والحب والكراهية والنور والظلمة ..
ومن هنا ولأجل ذلك لم تجتمع البشر على الإيمان بالإله الواحد عز وجل ، وكذلك لم يجتمع البشر على التصديق بالرسل والأنبياء والإيمان بهم ، وكذلك لم يجتمعوا على صلاح أحد من الأولياء والصالحين وعلى محبتهم .
هذا ولم تلتقي البشر على منهج واحد ولا دين واحد وهناك المعتدل صاحب العقل الرشيد والفكر المستنير ، وهناك من فاقد لرشده المتشدد صاحب الفكر العقيم المنحرف .
وهكذا في كل شؤون الحياة .يقول تعالى ” ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملئن جهنم من الجنة والناس أجمعين” . ويقول سبحانه ” ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين “