قرية “القيس” بالمنيا: بوابة الفتح الإسلامي وتاريخها عبر العصور

بقلم: الأديب والمؤرخ سيد الرشيدي

“لقد جبت الصعيد من شماله إلى جنوبه، وتنقلت بين نجوعه وقراه لتدوين هذا التاريخ الشفاهي والتوثيقي، وتأكد لي بالدليل القاطع أن صعيد مصر كان -ولا يزال- هو الحاضنة الأولى والأصل الرصين للقبائل العربية منذ صدر الفتح الإسلامي وحتى يومنا هذا.”

حين نتأمل خريطة مصر الإدارية والتاريخية، نطالع عشرات القرى والمدن التي حملت أسماء قبائل عربية صريحة، أو تسمت بأسماء الفاتحين والأعلام من الصحابة والتابعين. ومن بين هذه البقاع الشاهدة على عمق الجذور العربية، تبرز قرية القيس (أو “قيس”) التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا، كواحدة من أعرق النقاط الجغرافية التي ارتبط اسمها بوقائع الفتح الإسلامي لمصر وتاريخ الإقليم الصعيدي.

1. القيس ما قبل الإسلام (العصر اليوناني والروماني)

لم تكن “القيس” وليدة الفتح الإسلامي فحسب، بل هي بقعة ذات امتداد حضاري قديم.

الأصل الفرعوني القديم:

عُرفت المنطقة في النصوص القديمة وكان لها حضور ضمن الإقليم الخامس عشر من أقاليم مصر العليا.

العصر اليوناني والروماني:

 سُميت المدينة في المصادر الكلاسيكية باسم “كايس” (Cais / Kais)، وكانت مركزاً إدارياً وثقافياً يقع على مقربة من مدينة “أوكسيرينخوس” التي عُرفت لاحقاً بـ البهنسا.

الأهمية الاستراتيجية:

 تميزت القيس بموقعها على حافة الصحراء الغربية والقرب من مجرى بحر يوسف، مما جعلها حصناً ومحطة للظهير الدفاعي لمدينة البهنسا البيزنطية قبل الفتح.

2. دخول الصحابي قيس بن سعد بن عبادة والفتح الإسلامي

في عام 20 هـ (641 م)، وأثناء عمليات فتح البهنسا وشمال الصعيد، أرسل القائد عمرو بن العاص كوكبة من خيرة القادة والصحابة لتأمين مناطق صعيد مصر الوسطى:

القائد الفاتح:

 قاد هذه الحملة الصحابي الجليل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري (سيد الخزرج ورجل المهمات الصعبة في جند الفتح).

الواقعة التاريخية:

نزل الصحابي قيس بن سعد بهذه المنطقة أثناء حصار البهنسا وتأمين المداخل الغربية للصعيد، وعسكر بقواته في هذا الموضع، فنسبت الناحية إليه وسُميت من يومها “قيس” أو “القيس”.

الترابط مع البهنسا

خاضت القوات الإسلامية في القيس والبهنسا معارك ضارية ضد الحصون البيزنطية، وسقط في هذه المنطقة عدد كبير من الشهداء من الصحابة والتابعين (المعروفين بشهداء البهنسا).

3. أقوال المؤرخين والمقريزي في “القيس”

أفرد كبار مؤرخي الجغرافيا والخطط صفحات مهمة لذكر “القيس” وتسلسلها الإداري:

تقي الدين المقريزي (في “الخطط المقريزية”): ذكر المقريزي أن القيس كانت (إقليماً إدارياً قائمًا بذاته) من الصعيد الأدنى، وتضم عدداً من الأعمال والقرى. وأشار إلى استقرار القبائل العربية بها عقب الفتح، وكيف تحولت إلى محط لرباط القبائل وقبائل القيسية واليمنية.

ابن حوقل والأصطخري: أشارا إلى أن القيس تقع غربي النيل، وكانت تتميز بالخصوبة الكبيرة والزرع، وتعد من قرى البهنساوية.

ابن الجيعان (في “التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية”): وثّق القيس ضمن الروك الصلاحي والروك الناصري، مبيناً مساحتها ومتحصلاتها المالية كواحدة من أمهات قرى البهنساوية.

4. التطور الإداري وانضمامها لأعمال البهنسا :

مرت قرية القيس بتغيرات إدارية متتابعة عبر العصور الإسلامية:

العصر الإخشيدي والفاطمي: كانت القيس تُعامل قرى مستقلة بذاتها أحياناً (قرى في الصعيد الأدنى)، أو تُضم إلى البهنسا لتشكيل “إقليم البهنساوية”.

العصر المملوكي والعثماني: تراجعت الأهمية الإدارية للمدينة القديمة بالبهنسا لصالح مراكز جديدة، وصارت القيس تابعة عملياً وإدارياً لإقليم البهنساوية، واعتمدت كقرية رئيسية يتبعها عدد من الناحيات.

العصر الحديث: مع تقسيم المديريات في القرن التاسع عشر والعشرين، أصبحت القيس قرية رئيسية تابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا، محتفظة باسمها التاريخي العريق.

5. الخلاصة والأهمية التراثية:

إن قراءة تاريخ قرية القيس لا تنفصل عن قراءة خريطة الاستقرار العربي في الصعيد. فمنذ أن وطئتها أقدام الصحابي قيس بن سعد بن عبادة والقبائل العربية المصاحبة للفتح، أصبحت هذه البلدة شاهداً حياً على تداخل جغرافيا الصعيد مع النسب العربي، ومثالاً ساطعاً لما وثقناه في دراساتنا الميدانية من أن الصعيد هو الخزان التاريخي والحافظ الأصيل للتراث والقبائل العربية في مصر.

المراجع والمصادر التراثية:

المقريزي، تقي الدين أحمد بن علي: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (الخطط المقريزية)، دار الكتب العلمية.

ابن يونس الصدفي: تاريخ ابن يونس المصري (تاريخ المصريين ومن دخلها من الصحابة والتابعين).

ابن الجيعان: التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية، الكتبخانة الخديوية.

سيد الرشيدي: القبائل العربية في الصعيد (دراسة ميدانية وتوثيقية للأنساب والديار).

الواقدي (المنسوب إليه): فتوح الشام والبهنسا.

 (من كتاب “القبائل العربية في الصعيد”) .