تومة الحكيم . حين يصنع الجهل ضجيجًا.

بقلم  : د . إبتسام عمر عبد الرازق
الواعظة بوزارة الأوقاف

سلسلة بيوت على نور المقال الرابع والعشرين 

لم يمت “تومة الحكيم” بانتهاء حكايته، بل يبدو أنه غيّر ثوبه فقط
كان في قديم الزمان يحمل بين يديه مخطوطة ورقية قديمة يقرأها بمفرده في عزلته، فتتداخل الحروف وتتصحف الكلمات المعقدة بين يديه لقلة علمه، مما يجعله يقع في فخ الفهم المغلوط، ثم يبني على ذلك الخطأ المعرفي سلوكاً وفعلاً واقعياً منحرفاً عن الصواب. أما في عصرنا الراهن، فقد تبدل حاله وأصبح يحمل هاتفاً ذكياً متطوراً، ويقضي الساعات طويلاً جالساً أمام شاشة إلكترونية مضيئة تخطف الأبصار، حيث يكتفي بقراءة عنوان إخباري مبتور ومجتزأ من سياقه، أو يشاهد مقطعاً مرئياً قصيراً لا تتجاوز مدته ثلاثين ثانية فقط، ثم يخرج بعد ذلك إلى عامة الناس بخطى ثابتة ممتلئة بالثقة الزائدة، وينصب نفسه في مجالسهم خبيراً استراتيجياً ومحللاً حصيفاً ومفتياً في النوازل وقاضياً يصدر الأحكام القاطعة على الآخرين.

لقد كان تومة الحكيم يخطئ لأنه لم يجد معلمًا، أما بعض أبناء عصرنا فيخطئون لأنهم لم يعودوا يرون أنهم بحاجة إلى معلم أصلاً.

في الماضي، كان الخطأ محدود الأثر؛ ربما أضل إنسانًا أو اثنين. أما اليوم، فإن ضغطة زر قد تحمل الخطأ إلى ملايين البشر في دقائق معدودة. وهكذا لم تعد المشكلة في الجهل وحده، بل في سرعة انتشاره، وفي الثقة التي يتحدث بها أصحابه.

وهنا يظهر ما اصطلح الناس على تسميته بـ”ذباب السوشيال ميديا”.
وليس المقصود بهذا الوصف كل مستخدم لوسائل التواصل، ولا كل مخالف في الرأي، وإنما ذلك السلوك الذي يقوم على الطيران من خبر إلى آخر، ومن إشاعة إلى أخرى، دون تثبت، ولا علم، ولا مسؤولية. ينجذب إلى الضجيج أكثر من الحقيقة، ويبحث عن التفاعل أكثر من الصواب، ويقيس قيمة الكلام بعدد المشاركات لا بميزان الدليل.

إنه يلتقط نصف الحقيقة، ثم يبني عليها يقينًا كاملًا. ويقرأ عنوانًا، فيظن أنه فهم كتابًا. ويسمع مقطعًا، فيحسب أنه أحاط بعلم سنوات.

وقد وصف القرآن هذا المرض منذ قرون حين قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.

إنها ليست آية خاصة بزمن دون زمن، بل دستور لكل من يحمل هاتفًا قبل أن يحمل كلمة، ولكل من يضغط زر “مشاركة” قبل أن يسأل نفسه: هل هذا حق؟ وهل أنا مسؤول عما أنشر؟

المؤلم أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يفرقون بين الشهرة والعلم، ولا بين كثرة المتابعين وكثرة المعرفة. فأصبح بعض المؤثرين مرجعًا، وأصبح صاحب الصوت الأعلى أصدق عند الناس من صاحب الدليل الأقوى.

وهكذا يتكرر مشهد تومة الحكيم، ولكن بصورة أكثر اتساعًا؛ فبدل أن يسيء قراءة سطر في كتاب، يسيء قراءة الواقع كله.

إن أخطر ما في عصرنا ليس كثرة المعلومات، وإنما كثرة من يتحدثون فيها بلا علم. فالجهل إذا اقترن بالصمت بقي محدودًا، أما إذا اقترن بمنصة وجمهور وخوارزمية، صار وباءً فكريًا.

ولذلك كان السلف يقولون: “إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”. ولو عاشوا في زماننا لقالوا أيضًا: وانظروا ممن تأخذون أخباركم، وأفكاركم، وتحليلاتكم.

لسنا بحاجة إلى مزيد من الضجيج، بل إلى مزيد من التثبت. ولسنا بحاجة إلى أن يكون لكل إنسان رأي في كل شيء، بل إلى أن يعرف كل إنسان حدود ما يعلم، وأن يمتلك شجاعة قول: “لا أدري”.

فليس العيب أن يجهل الإنسان، وإنما العيب أن يجعل جهله محتوى، وأن يحول ظنه إلى حقيقة، وأن يقود الناس وهو لم يتعلم السير

ربما كان تومة الحكيم لو عاش بيننا سيحمل هاتفًا، ويكتب منشورًا، ويجد آلاف الإعجابات في دقائق. لكن الحكمة ليست فيما يجذب الأنظار، بل فيما ينير البصائر. وما أحوجنا اليوم إلى علماء يعلّمون، وعقول تتثبت، وقلوب تخاف الله قبل أن تضغط زر “نشر”