صناعة الفتنة كأخطر أسلحة جيوش الظل
14 يونيو، 2026
الماسونية والجمعيات الصهيونية

المقال الخامس من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )
للكاتب / محمد نجيب نبهان
كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي
إن السلاح الأعظم الذي تمتلكه جيوش الظل ليس البندقية ولا المدفع ولا حتى المال وحده، بل هو قدرتها الماهرة على صناعة الفتنة داخل الجسد الواحد، وتحويل الأمة إلى جسد يأكل بعضه بعضًا، في حين يقف العدو الحقيقي متفرجًا أو مشرفًا من بعيد، مكتفيًا بمد هذه الجيوش بالوقود كلما خمدت نيرانها. فالفتنة هي البوابة الكبرى التي دخل منها الخائنون منذ فجر التاريخ، وهي التي ما إن تُفتح حتى لا تُغلق بسهولة، إذ سرعان ما تلتهم الأخضر واليابس، وتحوّل الأصدقاء إلى أعداء، وتبني في قلوب الإخوة جدرانًا من الكراهية يصعب هدمها.
لقد عرفنا في تاريخنا الطويل أن الأمة كانت تنهض دائمًا إذا وحّدت صفوفها، وكانت تسقط إذا تناحرت وتفرّقت. ولم يكن أعداؤها في أي عصر أعجز من أن يهزموها وهي متماسكة، لذلك كان أخطر سلاح وُجِّه إليها هو سلاح الفتنة الداخلية. في زمن صدر الإسلام كان المنافقون يقتاتون على الشائعات لتمزيق وحدة المدينة، وفي زمن الفتن الكبرى سقطت عروش بأكملها لأن الناس صدقوا الأكاذيب والاتهامات. وفي عصور لاحقة تكررت الصورة نفسها: كلما ضعفت الأمة أمام الخارج فابحث عن فتنة داخلية أدارها عملاء الظل، يضربون في العصبية القبلية مرة، وفي الخلاف المذهبي مرة، وفي الصراع على السلطة مرات ومرات.
وجيوش الظل في عصرنا الحديث لم تبتكر جديدًا، لكنها طورت هذه الأداة وجعلتها أكثر خبثًا واتساعًا. لم تعد الفتنة مقصورة على صراعات السلاطين أو حروب المذاهب، بل أصبحت تُدار بوسائل الإعلام، وتُضخ عبر المناهج، وتُزرع في الأغاني والمسلسلات، وتنتشر كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي. لقد باتوا خبراء في دراسة نفسية الشعوب، يعرفون مواطن الضعف، فيضربون على وتر الطائفية حين يشاؤون، وعلى وتر القومية حين يشاؤون، وعلى وتر الصراع الطبقي حين يشاؤون. يكفيهم أن يطلقوا شرارة واحدة في مكان ملتهب حتى يشتعل الحريق من تلقاء نفسه.
إنهم يحسنون لعب دور الموجِّه الخفي. يهمسون في أذن هذا الشعب أن جاره هو سبب مأساته، ويقنعون ذاك الحزب أن خصمه الداخلي أخطر من المحتل الخارجي، ويملأون عقول الشباب بأن أوطانهم أوهام، وأن القيم التي تربوا عليها ليست سوى قيود. وهكذا يتحول المجتمع الواحد إلى جزر متصارعة، كل فئة تتوجس من الأخرى، وكل طائفة تلعن الأخرى، حتى إذا جاء العدو من الخارج لم يجد جيشًا يواجهه، بل وجد فراغًا وصراعات مفتوحة يسهل اختراقها.
وقد نجحت جيوش الظل في أكثر من موضع في تحويل بوصلة الأمة عن أعدائها الحقيقيين. فكم من دماء أُريقت بين أبناء البلد الواحد، بينما العدو الذي صنع الفتنة يمد يده في الخفاء، يجمع الغنائم ويغذي النار بالمال والسلاح. وكم من معارك وهمية استنزفت طاقات الشعوب، بينما كان الاحتلال أو الاستعمار يرسخ جذوره بلا مقاومة تُذكر. إنهم خبراء في صناعة العدو البديل: يجعلونك تنشغل بخصمك القريب الذي يشاركك الخبز واللغة والتاريخ، وتنسى عدوك البعيد الذي ينهب خيراتك ويستهزئ بكرامتك.
ولأن الفتنة تحتاج دائمًا إلى رواة يحكونها ويغذونها، فإن جيوش الظل تُنفق بسخاء على الإعلاميين المأجورين، والمثقفين المزيفين، والدعاة المتطرفين، والفنانين الذين يبيعون صورتهم لمن يدفع أكثر. كل هؤلاء يتحولون إلى قنوات تصريف للسموم، ينفخون في النار لتبقى مشتعلة. فمرة تكون الفتنة باسم الدين، ومرة باسم الحرية، ومرة باسم القومية، ومرة باسم الحداثة، لكن النتيجة واحدة: أمة مشغولة بصراعاتها الداخلية، تستهلك قواها في حروب كلامية أو دموية، بينما ينجو العدو الأكبر من أي مساءلة.
وهنا ندرك أن الفتنة ليست حدثًا عابرًا، بل صناعة كاملة لها خبراؤها وممولوها ومنفذوها. إنها صناعة مربحة لجيوش الظل، لأن كل فتنة تُنشئ سوقًا جديدة لأسلحتهم الفكرية والاقتصادية والإعلامية. فإذا انتهت فتنة أطلقوا أخرى، وإذا خمدت نار أوقدوا نارًا أكبر، حتى يبقى الجسد العربي والإسلامي مشغولًا بالنزيف المستمر.
لكن الفتنة لا تعيش إلا في بيئة قابلة للاشتعال، وهذا ما يضاعف مسؤولية الأمة. فلو كان الوعي يقظًا، والعقل الجماعي حاضرًا، لكان من الصعب على جيوش الظل أن تجد ثغرة تدخل منها. غير أن الغفلة والجهل والأنانية وفقدان الثقة بالنفس كلها عوامل تجعل هذه الأمة قابلة للاختراق. وهنا يتضح أن أخطر ما نواجهه ليس وجود جيوش الظل فحسب، بل وجود أرضية خصبة تسمح لها بالنمو.
إن صناعة الفتنة هي المشروع المركزي لجيوش الظل، لأنها الضمانة الوحيدة لبقائهم أسيادًا على شعوب ممزقة. ولن يكون لنا مخرج من هذا الطوق إلا إذا كسرنا آلتهم الكبرى، وأدركنا أن خلافاتنا مهما عظمت لا يجوز أن تحجب عنا عدونا الحقيقي. وحين نستعيد البوصلة، ونعرف أن معركتنا الكبرى هي مع جيوش الظل ومن يقف وراءها، عندها فقط نستطيع أن نغلق بوابات الفتنة، ونستعيد قدرتنا على النهوض.