الطريق إلى الطغيان

 المقال التاسع والعشرون من سلسلة رواية (قرن الشيطان)

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

 في سنوات ما بعد موت الشيخ محمد بن عبدالوهاب، كان الظن السائد بين أهل الدرعية أن الأمر سيعود إلى التوازن، وأن الابن عبد الله سيعيد ترتيب الأوراق بروح أبيه، لا بصرامة سيوف الأمراء. لكن، كما في كثير من نهايات الحكايات، فإن الكلمات الطيبة لا تصمد طويلًا أمام شهية السلطة.

بدأ عبد الله بن محمد يفرض نفسه ليس فقط كعالم دين، بل كـ”وارث وحيد للحق”، وهنا بدأت الزوايا تتشقق. لم يعد الفقهاء الآخرون يُعاملون كأنداد، بل كمجرد شارحين لما قاله الأب، وكأن الوحي قد خُتم بعد الشيخ محمد. أصبحت مجالس العلم أشبه بمحاكم تفتيش سرية، يُسأل فيها الطالب عن رأيه، لا ليُفهم، بل ليُدان أو يُكافأ.

وفي تلك الأثناء، كانت رسائل عبد الله تنتشر في أنحاء نجد والحجاز، وفيها من الحدّة ما لم يعرفه خطاب أبيه. لم يكن يقتصر على تكفير العوام والمبتدعة، بل تعداه إلى تكفير خصومه من العلماء الذين لم ينضووا تحت “المنهج الصافي”. بعض الرسائل وصلت إلى الطائف والمدينة، وفيها أوامر صريحة بهدم القباب ونسف القبور، “حتى يُطهَّر التوحيد”.

وفي كل ذلك، كان صوت عبد الله يحمل نبرة غريبة: مزيجًا من اليقين والمرارة، كأنه يحاول إثبات أن موت أبيه لم ينقص من شرعية الفكرة شيئًا، بل زادها رسوخًا.

لكن، في الحقيقة، كان الابن يبني سلطة لا فكرة.

في إحدى الليالي، جلس عبد الله مع الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد، الحاكم الفعلي للدرعية، وكان الأخير قد بدأ يُضمر شيئًا من القلق من تصاعد لهجة عبد الله تجاه خصومه، حتى من داخل الدولة.

قال سعودى ـ “يا شيخ عبد الله، لقد كثرت الفتاوى التي تُخرج الناس من الملة، حتى صرنا لا نأمن على جُندنا أنفسهم!”

ابتسم عبد الله، وردّ بهدوء قائل: “من آمن بحقك في الحكم، ولم يؤمن بحقي في التفسير، فقد جمع بين نقيضين لا يجتمعان في قلب واحد.”

ساد الصمت للحظة، ثم قال الأمير: ـ “ولكن الناس يتململون… وبعضهم بدأ يهمس أن هذه الدعوة أكلت أباها، فهل تأكلنا أيضًا؟”

نظر إليه عبد الله بعينين لا تعرفان الحذر: “إذا كنت تخشى على نفسك من الحق، فقد بعت نفسك للباطل.”

هنا فهم الأمير، كما فهم غيره، أن عبد الله لم يكن وارث الشيخ فقط، بل وريث فكرة احتكار الدين، وفوق ذلك، وارث الشعور الجارف بأن كل من ليس معه، فهو عليه.

ومع تصاعد هذا التصلب، خرجت من بطون القرى حركة سرية مضادة، قادها فقيه شاب يُدعى “علي بن هزاع”، كان من تلاميذ والد عبد الله نفسه، لكنه رأى أن الحفيد قد زاد عن الحد.

كتب في إحدى أوراقه التي كانت تُنسخ سرًا:

“ما بالكم جعلتم الدين سيفًا؟ ألم يكن رسول الله يفتح القلوب بالكلمة؟ أنسيتم أن ابن عبد الوهاب، في شيخوخته، كان يتمنى لو هدأ خطابه ولم يُسرف في السيف؟ لقد قلتم كفى الله المؤمنين القتال، فصنعتم منه قتالاً أبديًا.”

سُجن علي بن هزاع، وقيل إنه أُعدم لاحقًا، وقيل إنه نُفي إلى قرية نائية حيث قضى بقية عمره يُصلح سقوف المساجد وقلوب الأطفال.

ومع مضي الأعوام، تحوّلت الدرعية إلى قلعة لا تُحاور، بل تُصدر. لا تستقبل، بل تُقصي. وبدأ العالم يضيق، شيئًا فشيئًا، حتى صار كل من يحمل تساؤلًا عدوًا، وكل من يشكّ في منهج الشيخ زنديقًا، وكل من يحاول شرح النصوص من غير المعتمدين مبتدعًا.

وكانت الكلمة، حين تنزل، لا تنزل على الورق، بل تنزل على الرقاب.

وفي أطراف المدينة، كانت أمٌ عجوز تُمسك بين يديها بكتاب من كتب الشيخ الراحل، وتقرأه بدموع صامتة، ثم تهمس:

“هذا ليس ما كنتُ أسمعه منه وهو يتكلم في المساجد… لقد خربوا كل شيء باسمه، حتى أصبحنا نخاف أن نذكر اسمه.”

وفي الختام ، كانت الدعوة قد بدأت فعلاً في أكل مؤسسها. أكلته حين صار مجرد صورة على جدار، لا يُسمح لأحد بتأملها. أكلته حين وُضعت كلماته على أفواه لا تشبهه. أكلته حين تحولت رسالته من إصلاح إلى انتقام، ومن وعظ إلى صراع وجود.

كان محمد بن عبد الوهاب قد مات، لكن الموتى لا ينامون حين تُسرق أحلامهم.