ألفية التوحيد في علم التصوف  تحقيق لا إله إلا الله علمًا وعملًا وحالًا

بقلم حسن محمود حفني باحث وكاتب في علم التصوف الإسلامي

ألفية التوحيد في علم التصوف تحقيق لا إله إلا الله علمًا وعملًا وحالًا المقال الأول :

ليس التوحيد في ميزان البحث الصوفي مفهومًا نظريًا يُتناول في حدود التعريفات العقدية المجردة.

ولا هو مجرد إقرار ذهني بصحة المعتقد

بل هو بنية شاملة تتأسس عليها علاقة الإنسان بربه.

وتتحدد من خلالها حقيقة العبودية في صورتها الكاملة.

ومن ثم فإن التناول الصوفي للتوحيد لا ينفصل عن أصول العقيدة وإنما يتجه إلى تعميقها وتفعيلها في باطن الإنسان حتى تتحول من دائرة المعرفة إلى دائرة التحقق كما تقرره مصنفات السادة أئمة الطريق من أهل العلم والصلاح رضي الله عنهم أجمعين حيث ربطوا بين صحة الاعتقاد وسلامة السلوك وجعلوا التوحيد أصل الطريق وغايته.

فالتوحيد علمًا يمثل المستوى التأسيسي الذي يقوم على الإدراك الصحيح لمعاني الألوهية والربوبية وفق الضبط الشرعي الذي يرفع الوهم ويمنع الانحراف إذ لا يمكن أن يُبنى سلوك صحيح على تصور فاسد وهذا المستوى لا يُقصد به مجرد تحصيل المعلومات بل إقامة تصور متكامل يحكم نظرة الإنسان للوجود ولذاته ولموقعه في هذا الوجود وقد عرّف الإمام العارف بالله الجنيد البغدادي رضي الله عنه التوحيد بقوله

التوحيد إفراد القديم عن الحدث

كما نُقل ذلك في الرسالة القشيرية وطبقات الصوفية للسلمي وهو تعريف جامع مانع يقرر تنزيه الحق سبحانه عن مشابهة خلقه ويؤسس لبناء اعتقادي سليم ينضبط به السير إلى الله.

أما التوحيد عملًا فيرتبط بترجمة هذا الإدراك إلى سلوك منضبط بحيث تصبح أفعال الإنسان امتدادًا لما يعتقده لا مناقضة له.

وهنا يظهر البعد الأخلاقي والعملي للتوحيد حيث يتجلى الإخلاص باعتباره معيارًا حاكمًا ويُعاد توجيه القصد في كل عمل ليكون خالصًا لله بعيدًا عن التعلقات الخفية التي قد تُفسد العمل مع بقاء صورته.

وقد قرر الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله في إحياء علوم الدين أن الأعمال صور قائمة وأرواحها الإخلاص وأن فساد النية يقدح في حقيقة العمل وإن صحت صورته وهو بيان دقيق يربط بين صحة التوحيد وسلامة القصد.

وأما التوحيد حالًا فهو أعمق مستويات التناول الصوفي إذ يتجاوز حدود الفعل الظاهر إلى استقرار المعنى في باطن الشعور بحيث يصير التوحيد حالة حاكمة على القلب تؤثر في إدراكه وتفاعله مع الواقع وهذا المستوى لا يتحقق بالدعوى ولا بالتحصيل الذهني وإنما هو ثمرة تدرج تربوي طويل تُصقل فيه النفس وتُهذَّب حتى تتخفف من مركزيتها ويضعف حضورها المزاحم لمعنى العبودية.

وقد بيّن الإمام الزاهد العارف الحارث المحاسبي رحمه الله في الرعاية لحقوق الله أن محاسبة النفس ومراقبة الباطن أصل في تصحيح القصد وأن فساد السريرة يحجب العبد عن كمال التوحيد وإن استقامت صورته الظاهرة.

وفي هذا السياق يتضح أن التوحيد عند السادة الصوفية ليس انتقالًا من الشريعة إلى ما بعدها بل هو انتقال بالشريعة من مستوى الامتثال الظاهري إلى مقام الحضور مع الله سبحانه.

ولذلك قرر الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله في الرسالة القشيرية أن هذا الطريق مبني على الكتاب والسنة وأن كل باطن لا يشهد له ظاهر فهو باطل وهو تقرير يضبط ميزان السير ويحفظه من الانحراف.

وقد عالجت المصنفات الصوفية القديمة هذا البعد بعمق بالغ حيث تناولت أمراض القلوب باعتبارها معوّقات خفية تحول دون تحقق التوحيد في صورته الكاملة وربطت بين دقة المحاسبة وصدق التوجه وأكدت أن أخطر ما يواجه السالك ما يتسرب إلى قلبه من علائق لا يشعر بها فتؤثر في قصده وتوجه عمله دون أن تُفسد صورته الظاهرة.

وقد جاء في قوت القلوب أن من دقائق الرياء ما يخفى على العبد حتى يظن أنه مخلص وهو متعلق بغير الله تعالى وهو من أدق ما كُتب في بيان خفايا النفس.

ومن هنا فإن التوحيد لا يُقاس بكثرة الخطاب عنه بل بمدى أثره في إعادة تشكيل البنية الداخلية للإنسان فكلما ازداد صفاء القصد وضعف الالتفات إلى غير الله وتحرر القلب من الاعتماد على الأسباب مع القيام بها كان ذلك علامة على صدق السير.

وقد لخّص الإمام العارف بالله ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه هذا المعنى في الحكم العطائية بقوله الأعمال صور قائمة وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها.

وتأسيسًا على ذلك فإن هذه الألفية لا تستهدف إعادة إنتاج المعاني في صورتها التقليدية بل تسعى إلى ترتيبها ضمن مسار تربوي متدرج يربط بين التصور والعمل والحال ويعيد توجيه الاهتمام من الخارج إلى الداخل باعتبار أن نقطة الانطلاق الحقيقية في أي إصلاح هي الإنسان نفسه.

وقد أشار الإمام السلمي رحمه الله في طبقات الصوفية للسلمي إلى أن الطريق كله أدب ومراقبة وأن فساد الأدب يفسد السير كله

ومن ثم فإن الدخول في هذا المسار يقتضي قدرًا من الصدق العلمي والجرأة النفسية لأن الإنسان لن يستطيع أن يقترب من حقيقة التوحيد ما لم يُراجع نفسه مراجعة دقيقة ويُخضع دوافعه للفحص ويقبل بإعادة بناء تصوراته على ضوء ما يظهر له من خلل وهذه المراجعة ليست مرحلة عابرة بل هي أصل من أصول الطريق تتكرر بتكرار السير.

وقد قال الإمام العارف سهل بن عبد الله التستري رحمه الله كما في تفسير التستري لا يزال العبد بخير ما كان له واعظ من نفسه.

وعليه فإن هذه الألفية تمثل محاولة منهجية لإعادة وصل ما انفصل في وعي كثير من الناس بين العلم والعمل والحال وإعادة تقديم التوحيد بوصفه محورًا جامعًا تُبنى عليه بقية المعاني لا بوصفه موضوعًا منفصلًا

فإذا استقام هذا المحور استقامت بقية مفردات الطريق وإذا اختل بقي الخلل ممتدًا في سائر البنية مهما بدا ظاهرها منضبطًا.

تحقيق التوحيد يبدأ من مراجعة خفية لا يطّلع عليها أحد حيث يختبر الإنسان صدق توجهه بعيدًا عن أعين الناس فهناك يتحدد موقعه الحقيقي من الطريق.

وإذا كان التوحيد علمًا قد اتضح فهل انعكس ذلك على داخلك حقًا ؟

هنا يبدأ الاختبار الحقيقي حين ينتقل من الفهم إلى الفعل وهذا ما سنكشفه في المقال القادم.