الحمد لله رب العالمين، حمد الشاكرين الذاكرين، القائل في محكم التنزيل: ورحمتي وسعت كل شيء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الخلق عز وجل، الذي جعل الرحمة صلة بينه وبين عباده، وقواماً لهذا الوجود وروحاً للحياة، فبرحمته تآلفت القلوب، وبفضله سكنت النفوس، وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، صفيُّه من خلقه وخليله، الذي أرسله الله عز وجل رحمة للعالمين، فكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، وبالبشرية هادياً وبشيراً، وسراجاً منيراً، فصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، وأهل بيته رضي الله عنهم أجمعين، الذين كانوا في التراحم والتعاطف جسداً واحداً، وفي الرفق واللين والمروءة قدوة للعالمين، ونبراساً للمهتدين.
أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
أيها السادة الفضلاء، والعلماء الأجلاء، إننا في هذا الزمان نعيش في عالم كثرت فيه الماديات، وطغت فيه المصالح، واشتدت فيه الصراعات حتى جفت بعض القلوب، فصارت كالحجارة أو أشد قسوة، وضاع بين ضجيج الحياة أنين المحتاج وصيحة المكروب. وإن أحوج ما تحتاج إليه أمتنا اليوم، لتستعيد تماسكها وقوتها، هو العودة الصادقة إلى دستور الرحمة الذي وضعه لنا خالقنا عز وجل، وسار عليه نبينا سيدنا محمد ﷺ. إن الرحمة في الإسلام ليست مجرد شعور عابر يفيض به القلب في لحظة رقة، بل هي عقيدة إيمانية تُعاش، ومنهج حياة يُطبق في البيت مع الزوجة والأبناء، وفي الشارع مع المارة، وفي السوق مع البائع والمشتري. إنها القوة الربانية التي تبني مجتمعاً يسوده الحب والوئام، وتطرد منه الشح والبغضاء والحقد. فالمؤمن الذي تذوق طعم الإيمان لا يمكن إلا أن يكون رحمة تمشي على الأرض، يمسح دمعة، ويجبر كسيراً، ويغيث ملهوفاً.
العنصر الأول: الرحمة صبغة إلهية وأساس الوجود
حين نتأمل في هذا الوجود الفسيح، من ذراته الصغيرة إلى مجراته العظيمة، ندرك يقيناً أن الله عز وجل لم يخلقه عبثاً، ولم يتركه سدى، بل جعل الرحمة هي المادة التي تمسك أجزاء هذا الكون من الانهيار، ولولا رحمة الله عز وجل بعباده ما قامت للسماء قائمة ولا استقر للأرض قرار. إن الرحمة في التصور الإسلامي الوسطي هي صبغة الله التي صبغ بها الوجود، وهي القانون الأسمى الذي يحكم العلاقة بين الخالق والمخلوق، وبين المخلوقات وبعضها البعض.
لقد افتتح الله عز وجل كتابه العزيز بآية تجمع أصول الجمال والجلال في الرحمة، فقال عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم. ولما سُئل بعض العلماء عن سر البدء بهذين الاسمين من بين سائر الأسماء الحسنى، قالوا: ليعلم العبد أن ربه الذي يعبده هو الرحمن الذي وسعت رحمته العامة الكافر والمسلم والحيوان والجماد في الدنيا، وهو الرحيم الذي ادخر للمؤمنين في الآخرة رحمة خاصة لا تنقطع بفضله وكرمه. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
يا من له في كل شيء آية … تدعو لرحمته ولطف جنابه
والكون من أولاه إلى أخراه في … بحر من الرحمات طي كتابه
لولا اللطيف وسبق رحمته لما … قر الوجود ولا استقر بآبه
لقد جعل الله عز وجل الرحمة هي غاية الخلق وحكمة الوجود، فقال سبحانه في سورة هود: إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم. يقول الإمام الطبري في تفسيره جامع البيان: أي وللرحمة خلقهم. وهذا ملمح تربوي عظيم؛ فإذا كان الله عز وجل قد خلقنا ليرحمنا ونتراحم، فكيف يجوز للمؤمن أن يكون مصدراً للشقاء أو القلق أو التعاسة لمن حوله؟ وكيف يطيب له عيش وهو يعامل الناس بالغلظة والشدة؟
ومن أعظم الأدلة على أن الرحمة هي المنهج الحاكم للوجود، ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي. وفي رواية الإمام مسلم، سبقت رحمتي غضبي. تأملوا يا عباد الله في كلمة سبقت وفي كلمة غلبت؛ إنها رسالة طمأنينة إلهية لكل قلب منكسر، ولكل مذنب يرجو الأوبة، أن باب الرحمة هو الباب الأعظم الذي يُدخل منه على الله عز وجل، وأن الله عز وجل يفتح أحضان عفوه للراجعين قبل أن يحاسبهم على ما فرطوا.
ولم تقف الرحمة الإلهية عند حدود البشر المكلفين، بل شملت كل ذي كبد رطبة في هذا الكون. انظروا إلى دقة الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، قال ﷺ: إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها. إن هذا المشهد الذي نراه في الغابات وفي بيوتنا من حنو الدابة على صغيرها وهي لا ترجو منه نفعاً، هو أثر جزء واحد فقط من مائة جزء، فما ظنكم بملكوت السماوات والأرض حين تنزل عليه الرحمات التسع والتسعون يوم القيامة؟
وقد صدق الشاعر حين وصف شمول هذه الرحمة وعظمتها فقال:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة … فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن … فبمن يلوذ ويستجير المجرم
أدعوك ربي كما أمرت تضرعاً … فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
رسائل عملية: أيها الإخوة الأحباب، حتى لا يكون حديثنا عن الرحمة مجرد كلمات تُسمع أو مواعظ تُلقى، إليكم هذه الرسائل العملية التي ينبغي أن يترجمها كل واحد منا إلى واقع ملموس بعد خروجه من صلاة الجمعة:
١- رسالة للآباء والأمهات: اجعلوا الرحمة هي اللغة الأولى والوحيدة في بيوتكم. إن الولد الذي ينشأ في بيت يسوده الرفق والاحتواء، يخرج للمجتمع سوي النفس، طاهر الفطرة، فارحموا ضعف أبنائكم، وقد قال سيدنا رسول الله ﷺ لسيدنا الأقرع بن حابس رضي الله عنه حين اخبره انه لا يقبل أولاده: من لا يرحم لا يرحم. أخرجه الإمام البخاري والإمام مسلم.
٢- رسالة للموظفين والمسؤولين: إن القوة التي بين أيدكم والمنصب الذي تشغلونه هو أمانة ستسألون عنها، والرحمة بمن تقضون حوائجهم هي القربة الكبرى إلى الله عز وجل. فكن رحيماً بالضعيف، ميسراً على المعسر، ولا تكن سبباً في ضيق مسلم، يرحمك الله عز وجل في ضيقك يوم القيامة.
٣- رسالة للمتخاصمين: إن الرحمة الحقيقية تقتضي العفو عند المقدرة والصفح الجميل. فمن غلبته رحمته بأخيه أو قريبه فغفر له زلته، غلبت رحمة الله عز وجل ذنوبه. تذكروا قول نبيكم ﷺ: ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. أخرجه الإمام أبو داود والترمذي.
٤- رسالة لكل إنسان: عود نفسك على الرفق بكل شيء حولك، بالحيوان، وبالنبات، وحتى بالجماد وبالبيئة. فالمسلم هو رحمة تمشي على الأرض، لا يكسر قلباً، ولا يقطع شجراً لغير مصلحة، ولا يؤذي كائناً صغيراً كان أو كبيراً، ليكون حالك متسقاً مع صبغة الوجود التي فطر الله عز وجل الخلق عليها.
العنصر الثاني: سيدنا محمد ﷺ.. الرحمة المهداة للعالمين
إذا كان الله عز وجل قد وصف نفسه بالرحمن الرحيم، فقد جعل حظ نبيه سيدنا محمد ﷺ من هذا الوصف وافراً، حتى سماه في القرآن الكريم رؤوفاً رحيماً، فقال عز وجل في سورة التوبة: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم. إن رحمة سيدنا رسول الله ﷺ لم تكن مجرد تعاملات يومية عابرة، بل كانت هوية بعث بها، ومنهاجاً أحيا به القلوب، حيث قال ﷺ عن نفسه: يا أيها الناس، إنما أنا رحمة مهداة. وهذا الحديث أخرجه الإمام الحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين، وأخرجه الإمام الدارمي في سننه.
لقد تجلت رحمته ﷺ في مواقف تعجز عن وصفها الكلمات، ومنها رحمته ﷺ بالعدو والمخالف؛ ففي يوم أحد، حين شج وجهه الشريف وسال دمه الطاهر، طلب منه بعض الصحابة رضي الله عنهم أن يدعو على المشركين، فماذا قال الرحمة المهداة؟ قال ﷺ: إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة.. اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وهذا الأثر أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. وفي هذا المعنى يقول أمير الشعراء أحمد شوقي مادحاً هذه الرحمة المحمدية:
يا من له الأخلاق ما تهوى العلا … منها وما يتعشق الكبراء
زانتك في حالي الرضا والسخط … حلم ومرحمة وسخاء
وإذا رحمت فأنت أم أو أب … هذان في الدنيا هما الرحماء
وتأملوا يا عباد الله في رحمته ﷺ بالضعفاء والأطفال، ففي الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا أبي قتادة رضي الله عنه قال: خرج علينا النبي ﷺ وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فصلى، فإذا ركع وضعها، وإذا قام حملها. فبرغم جلال مقام الوقوف بين يدي الله عز وجل، لم تمنع الرحمةُ سيدنا محمداً ﷺ من أن يحمل طفلة صغيرة ليجبر خاطرها.
بل إن رحمته ﷺ تجاوزت الإنسان لتشمل الحيوان والجماد؛ ففي الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن جذع النخلة الذي كان يخطب عليه ﷺ لما تركه وصعد المنبر، سُمع له أنين كأنين الصبي، فنزل ﷺ وضمه إليه حتى سكن، وقال ﷺ: بكى لما كان يسمع من الذكر. فإذا كان الحجر والجماد قد ناله من حنان سيدنا محمد ﷺ نصيب، فكيف برحمته بقلوب الموحدين؟
وكذلك رحمته ﷺ بالبهائم، حين دخل بستاناً لرجل من الأنصار فرأى جملاً ذرفت عيناه، فمسح ﷺ على رأسه حتى هدأ، ثم قال لصاحبه: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه. أخرجه الإمام أبو داود في سننه بإسناد صحيح. لقد كان ﷺ رحمة تمشي على الأرض، يداوي الكسير، ويطعم الجائع، ويؤمن الخائف، ويقول في ذلك الشاعر:
وما أرسلت إلا رحمة للناس … تهديها ونوراً في الدياجي
فأنت لكل منكسر ملاذ … وأنت لكل مضطر مناجي
رسائل عملية:أيها الإخوة الأحباب، إن الاقتداء بالرحمة المهداة ﷺ يقتضي منا خطوات عملية في حياتنا:
١- رسالة لكل صاحب سلطة أو عمل: تذكر رحمة نبيك ﷺ بالأجير والضعيف، فلا تحمل عمالك ما لا يطيقون، وكن رفيقاً بهم في ساعات الحر والتعب، فإن الله عز وجل سائل كل راع عما استرعاه.
٢- رسالة في التعامل مع الأطفال: اقتدِ بسيدنا رسول الله ﷺ في حنوه على الصغار، فقبلوا أبناءكم، وامسحوا على رؤوس اليتامى، واعلموا أن البيت الذي تملؤه الرحمة والقبلات هو بيت تملؤه البركة.
٣- رسالة للمتخاصمين: انظروا كيف عفا ﷺ عمن آذاه وشج رأسه، فاجعلوا من رحمته ﷺ نبراساً للتجاوز عن زلات الأقارب والجيران، فما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً.
٤- رسالة في الرفق بالحيوان: علموا أبناءكم أن الرحمة بالحيوان قد تُدخل صاحبها الجنة، كما أخبر ﷺ عن الرجل الذي سقى كلباً فغفر الله له، ليكون المجتمع كله رحمة وإحساناً.
العنصر الثالث: التراحم المجتمعي.. حصن الأوطان وأمان الإنسان
إن التراحم في ميزان الإسلام ليس مجرد عاطفة فردية، بل هو “بنيان اجتماعي” متماسك، يشد بعضه بعضاً، وهو الحصن الحصين الذي يحمي الأوطان من التفكك والانهيار. فالمجتمع الذي تقوم علاقاته على الرحمة والتعاون لا تستطيع الفتن أن تخترقه، ولا الأزمات أن تكسره. وقد صوّر سيدنا رسول الله ﷺ هذا التلاحم بأبلغ صورة حين قال: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. أخرجه الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما عن سيدنا النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
لقد ضرب لنا أصحاب سيدنا محمد ﷺ أروع الأمثلة في “الرحمة المجتمعية” التي تجاوزت حدود الذات. انظروا إلى حال “الأشعريين” رضي الله عنهم، قوم سيدنا أبي موسى الأشعري، وكيف كان تراحمهم في وقت الأزمات؛ فعن سيدنا أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو (أي نفد زادهم)، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم. أخرجه الإمام البخاري في صحيحه. تأملوا يا عباد الله في شهادة النبي ﷺ لهم: “فهم مني وأنا منهم”، لمجرد أنهم رحموا بعضهم في وقت الشدة. وفي هذا التلاحم يقول الشاعر:
إن المروءة والرحمة قد جمعا … في أمة بالحق قد سمت وارتفعا
كالبنيان يشد بعضه بعضاً … إذا اشتكى طرف من ألم فزعا
ومن القصص الخالدة في تاريخنا، ما روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في “عام الرمادة”، حين اشتد الجوع بالناس، فكان رضي الله عنه لا ينام الليل رحمة بالرعية، وحلف ألا يذوق سمناً ولا سميناً حتى يحيى الناس. وبعث إلى أمراء الأمصار يطلب الغوث، فجاءت القوافل تحمل الطعام والكساء، فكان سيدنا عمر يوزعها بنفسه وهو يبكي رحمة بالضعفاء والأرامل. يروي الإمام ابن كثير في البداية والنهاية أن سيدنا عمر كان يقول: “لو تعثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها: لمَ لمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟”. فإذا كان أمير المؤمنين يرحم البهائم في طرقات الدولة، فكيف برحمته بآلام البشر وحاجاتهم؟
لقد بنى السلف الصالح مجتمعاً قائماً على “العدالة التراحمية”، فكان الغني يحمل هم الفقير، والقوي يسند الضعيف. يروي الإمام أبو نعيم في حلية الأولياء عن سيدنا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: لقد أتى علينا زمان، وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم. إن هذه الروح هي التي جعلت المجتمع الإسلامي مجتمعاً لا يعرف “الطبقية البغيضة” ولا “الحقد الاجتماعي”، بل كان كل فرد يشعر أنه مسؤول عن أمن وسلامة غيره.
رسائل عملية:أيها الإخوة الأحباب، إن تنزيل قيمة التراحم المجتمعي في واقعنا المعاصر يتطلب منا الآتي:
رسالة للجيران: تفقدوا جيرانكم، فليس منا من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم. إن الرحمة بالجار، والسؤال عنه، والوقوف معه في أفراحه وأتراحه، هي من أوثق عرى الإيمان وسلامة الأوطان.
رسالة للميسورين والمنعمين: إن الفقراء في المجتمع هم أمانة في أعناقكم، ورحمتكم بهم بالصدقة والكلمة الطيبة والستر هي وقاية لأموالكم من الزوال، ولبلدكم من الحقد والغل.
رسالة في الكوارث والأزمات: عودوا أنفسكم على المبادرة بالإغاثة والمساعدة، فالمجتمع المتراحم هو الذي يتسابق أفراده في كشف الكربات عن المكروبين، “ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة” كما في الصحيح.
رسالة لكل مواطن: حافظ على مقدرات وطنك، وارحم من يعيشون معك على هذه الأرض، فلا تغش في سلعة، ولا ترفع سعراً بغير حق، ولا تروع آمناً؛ فالوطن بيت كبير، ولا يستقر البيت إلا برحمة أهله ببعضهم البعض.
إن الرحمة التي دعا إليها الإسلام لا تكتمل صورتها ولا تؤتي ثمارها ما لم تبدأ من داخل البيوت، فالأسرة هي النواة الأولى للمجتمع، فإذا قامت على الرحمة والرفق خرج منها جيل سوي النفس، طاهر القلب، قادر على البناء. وقد جعل الله عز وجل “المودة والرحمة” هما السكن الحقيقي للزوجين، فقال سبحانه في سورة الروم: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة. تأملوا يا عباد الله كيف قرن الله عز وجل بين المودة والرحمة، فالمودة هي الحب، والرحمة هي التي تحمي هذا الحب حين تعصف به رياح الخلاف أو التقادم.
لقد كان سيدنا رسول الله ﷺ المعلم الأول في رحمة الأهل والرفق بهم، وكان يقول: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. أخرجه الإمام الترمذي في سننه عن السيدة عائشة رضي الله عنها وصححه، وأخرجه ابن ماجه. ومن رحمته ﷺ بأهله ما روي من حُسن خلقه ورفقه بزوجاته؛ فعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً. أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. وفي هذا الرفق الأسري يقول الشاعر:
وإن أحق الناس بالرفق والرضا … أليف يشارك في الأسى والمسرة
فكن رحمة في البيت تروي فؤاده … فبالرفق تحلو للحياة الممرة
ومن صور الرحمة الأسرية التي يغفل عنها الكثيرون، الرحمةُ بالأبناء والشفقة عليهم؛ يروي الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، أن الأقرع بن حابس رضي الله عنه رأى النبي ﷺ يقبل سيدنا الحسن بن علي (رضي الله عنهما)، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: من لا يرحم لا يرحم. إن القبلة والكلمة الطيبة والملاطفة للأبناء هي “تراحم” يحفظ عليهم فطرهم، ويقيهم شر الانحراف والقسوة.
وكذلك تتجلى رحمة الأسرة في “بر الوالدين” عند الكبر، وهو أسمى أنواع الرحمة الإنسانية التي أمرنا الله عز وجل بها، فقال سبحانه: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا. يقول الإمام القرطبي في تفسيره: “أي تلين لهما وتتواضع رحمة بهما وشفقة عليهما في حال كبرهما وحاجتهما إليك”. فمن رحم والديه في كبرهما، رحم الله عز وجل ضعفه في مستقبله.
رسائل عملية :أيها الإخوة الأحباب، لكي تتحول بيوتنا إلى واحات من الرحمة، علينا بالآتي:
رسالة لكل زوج: كن رفيقاً بزوجتك، رحيماً بتعبها، ساتراً لعيوبها. إن الكلمة الطيبة عند الغضب هي منتهى الرحمة، وإن معاونتك لها في شؤون البيت هي سنة نبيك ﷺ وعنوان رجولتك.
رسالة لكل زوجة: كوني لزوجك سكناً ورحمة، وقدري كدحه ونصبه من أجل العيش الحلال، فإن البيت الذي يمتلئ بكلمات الشكر والتقدير هو بيت تنزلت عليه السكينة.
رسالة في تربية الأبناء: استبدلوا القسوة والضرب بالرفق والتوجيه المحبب. إن الطفل الذي يرتوي من نبع الرحمة في بيته، لن يبحث عن الأمان الزائف خارج البيت، وسيكون باراً بكم في كبركم.
رسالة للأبناء تجاه الوالدين: تذكروا أن بر الوالدين ليس واجباً ثقيلاً، بل هو “رحمة ورد للجميل”. فقَبّلوا أيديهما، واسمعوا لقولهما، ولا تضيقوا ذرعاً بطلباتهما، ففيهما جنة الدنيا والآخرة.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
ضمن مبادرة صحح مفاهيمك: وآتوا حقَّهُ يومَ حصادِهِ
الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاماً على عباده الذين اصطفى، لا سيما الخاتم المجتبى، سيدنا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون..
إن من أعظم تجليات الرحمة التي تحدثنا عنها في الخطبة الأولى، أن يشعر الغني بآلام الفقير، وأن يعلم صاحب المال أن في ماله حقاً واجباً ليس تفضلاً منه ولا منة، بل هو ركن من أركان الدين وسبيل لتحقيق التراحم العملي في المجتمع. وضمن مبادرة صحح مفاهيمك، يجب أن نصحح مفهوماً يخطئ فيه البعض، وهو ظنهم أن الزكاة والصدقة تنقص المال، والحقيقة أنها هي التي تزكيه وتحفظه وتنميه.
العنصر الخامس: حق الفقير في مال الغني.. رحمة لا تفضل
إن من أسمى تجليات التراحم في الإسلام أن يشعر الغني بآلام الفقير شعوراً يدق في قلبه أجراس المسؤولية، فلا يقف التراحم عند حدود الكلمة الطيبة فحسب، بل يمتد ليكون واقعاً مادياً يحفظ كرامة المحتاج. وضمن مبادرة صحح مفاهيمك، نؤكد أن الزكاة والصدقة في مال الغني ليست منة ولا تفضلاً، بل هي حق شرعي أوجبه الله عز وجل للفقير، وهو عين الرحمة التي تحفظ المجتمع من الأزمات.
لقد أمرنا الله عز وجل برعاية حقوق المحتاجين، خاصة في مواسم الخير والنماء، فقال سبحانه في سورة الأنعام: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده. تأملوا يا عباد الله في قول الله عز وجل وآتوا حقه؛ فالله عز وجل نسب الحق للمال لا للشخص، ليعلم كل صاحب زرع أو مال أن هذا الجزء المستقطع ليس ملكاً له، بل هو أمانة وضعت عنده ليوصلها لأصحابها في موعدها المحدد، وهو يوم الحصاد، ليكون ذلك غياثاً لمن ينتظرون فضل الله عز وجل.
ولنا في سيرة أصحاب سيدنا محمد ﷺ أسوة حسنة؛ فقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه سيدنا رسول الله ﷺ إلى اليمن، فقال له: فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. فانظروا إلى دقة اللفظ النبوي الشريف تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فكأنها وديعة كانت عند الغني وأعيدت لصاحبها الأصلي وهو الفقير. وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم … فطالما استعبد الإنسان إحسان
ويروى أن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، صاحب الجود والكرم، كان يرى أن إخراج الحق يوم حصاده هو سر البركة في تجارته، فكان يوسع على الناس في الأزمات، ويقول: إن الله عز وجل أعطاني فأنا أعطي عباده. فكانت رحمته بالفقراء سبباً في أن الله عز وجل بارك في ماله حتى صار مضرب الأمثال في الغنى الحلال المتقن.
رسائل عملية:
١- رسالة لكل مزارع وصاحب مال: لا تؤخر حق الله عز وجل عند استحقاقه، واعلم أن السرعة في العطاء هي من تمام الرحمة بالفقير الذي قد يكون في ضائقة لا يعلمها إلا الله عز وجل.
٢- رسالة في تصحيح المفهوم: اعلم أنك حين تعطي الزكاة، فأنت الذي تنال الأجر والبركة، وأنت المحتاج لثوابها أكثر من حاجة الفقير لمالك، فاجعل عطاءك بقلب رحيم ويد كريمة.
٣- رسالة في آداب العطاء: ارحم مشاعر الفقير وأنت تعطيه حقه، فلا تمنّ عليه، ولا تجرح كرامته، بل اجعل يدك هي السفلى في المعنى وإن كانت هي العليا في العطاء، إجلالاً لله عز وجل ورحمة بعباده.
العنصر السادس: بركة العطاء ومخاطر الشح على الفرد والمجتمع
صحح مفهومك أيها المسلم: إن الشح والبخل ليس حماية للمال ولا صيانة للثروة، بل هو معول هدم للبركة وجالب للآفات والفتن. إن البعض قد يظن أن إمساك الحقوق ومنع الزكاة والصدقات يوم الحصاد يوفر له مالاً، والحقيقة أن المال الذي لا تُؤدى زكاته هو مال مريض، والزكاة والصدقة هي دواؤه وطهارته. يقول الله عز وجل في سورة آل عمران: ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة.
لقد ضرب الله عز وجل لنا في القرآن الكريم مثلاً حياً لمن نزع الرحمة من قلبه ومنع حق الفقراء يوم الحصاد، وهي قصة أصحاب الجنة في سورة القلم. أولئك النفر الذين ورثوا عن أبيهم بستاناً عظيماً، وكان أبوهم رجلاً صالحاً يرحم المساكين ويعطيهم حقهم، فلما مات قال أبناؤه: إن عيالنا كثير، ومالنا قليل، فلنمنع الفقراء هذا العام. فأقسموا ليصْرِمُنَّها مُصْبِحين ولا يستثنون، أي عزموا على الحصاد سراً قبل أن يستيقظ الفقراء. فماذا كانت عاقبة انعدام الرحمة والشح؟ فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم، أي احترقت وتفحمت وصارت كليل أسود.
إن هذه القصة رسالة لكل من يغلق بابه في وجه المحتاجين، أن أمنك المالي مرتبط برحمتك بالخلق. وفي هذا يقول الشاعر:
وما تنفع الأموالُ إن كان ربُّها … بـخيلاً بـحق الله فيـها ومـانعاً
وتأملوا في قول سيدنا رسول الله ﷺ الذي يرسخ يقين البركة بالعطاء؛ فعن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن سيدنا رسول الله ﷺ قال: ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً. أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، فالخلف من الله عز وجل ليس في المال فقط، بل في الصحة والأولاد وصرف البلاء.
رسائل عملية :
رسالة لكل مسلم: عود نفسك على الصدقة الخفية، فإنها تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء، واجعل لليتيم والأرملة نصيباً من كدحك يبارك الله لك في سائر كسبك.
رسالة للمترددين في الإنفاق: تذكر أن المال مال الله عز وجل، وأنت مستخلف فيه، فكيف تبخل بمال المالك على عباد المالك؟ ثق بوعد الله عز وجل: وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين.
رسالة في التراحم المجتمعي: إن إخراجك للحقوق المالية يوم الحصاد هو الذي يحمي المجتمع من جرائم السرقة والحقد، فبقدر ما ترحم الفقراء بمالك، بقدر ما يحمي الله عز وجل وطنك من الغوائل والفتن.
رسالة أخيرة: اجعلوا من يوم الجمعة يوماً للتراحم العملي، فتفقدوا الأقارب والفقراء والمساكين، واجعلوا أيديكم ممدودة بالخير، لعل الله عز وجل يرحمنا جميعاً ببركة هذا التراحم.
الدعاء: اللهم يا ربنا ويا مولانا، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، وباسمك الأعظم الذي إذا دُعيت به أجبت، أن تجعلنا من عبادك الراحمين المتقين، الذين يتراحمون فيك ويتباذلون فيك. اللهم ارزقنا قلوباً رحيمة، وألسنة ذاكرة، وأيدياً معطاءة لا تعرف الشح ولا البخل.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، وبارك لنا فيما رزقتنا، واجعل أموالنا في أيدينا لا في قلوبنا، واستعملنا في طاعتك ورحمة عبادك. اللهم احفظ مصرنا الغالية من كل سوء ومكروه، ووفق ولي أمرنا رئيس الجمهورية لما فيه خير البلاد والعباد، وارزقه البطانة الصالحة التي تعينه على الحق والعدل والرحمة.
اللهم احفظ جيشنا وشرطتنا، وارحم شهداءنا الأبرار، واجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم آلف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واجعلنا يداً واحدة في بناء الوطن وحماية حماه.
عباد الله، اذكروا الله العظيم يذكركم، واستغفروه يغفر لكم، وأقم الصلاة.
والله تعالى أعلم، وبالله تعالى التوفيق والسداد
كتبه فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني. القاهرة في ٤ مايو ٢٠٢٦م