بقلم الكاتب والباحث : عبد الكريم فتاح أمين
هذه العبارة التي وضعناها في أعلى الصفحة وجعلناها عنوان المقال تعبير قرآني تحمل معاني غزيرة، ويوجهها السامع والمسنمع حين سماع واستماع كلمة صدرت من مصدر قام على الظن والتخمين وحده ناسيا اليقين والاتقان ، ولا تستند على علم أو دليل البتة، بل يدور الكلام حول موضوع بشكل عشواىي وشعوائي، ولذا نقول: هذه العبارة ليست استخدامها سهلا وبسيطا تستخدم في أوان ويتقول بها ، بل يطلق على حدث تاريخي محل إعجاب الناس قام به أشخاص بصورة مخبلة، وكذلك يطلق على من قام باتهام امرأة أو رجل ويفضي إلى خلق فتنة أو فضح.
شبهت الرجال والنساء اللاتي يتكلمن عن شيء بدون مستمسك شرعي ودليل ملموس بمن يرجم شيئاً لا يروه أو المرجوم في ظلام، وهذا خطر خطير يخاف أن يصيب. شخصا بريئا من كل الإجرام.
إن هذه العبارة قد وردت في سورة الكهف عند ذكر اختلاف الناس في عدد أصحاب الكهف، حيث اعتبرت الآيات أن القول بأنهم “ثلاثة” أو “خمسة” هو تخمين بحت وباطل وبعيد عن الواقع والحقيقة، بينما الصحيح هو سبعة
وثامنهم كلبهم، لأن الآية قد ختمت العدد وما ازدادت:
﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا (22) الكهف
ليس الاتقان محصورا في القول بل هو ضرورة حتى العمل، إذا صليت ينبغي عليك الاتقان في أداء أركانها وشروطها وإلا تكون باطلة لا تكفي وينبغي إعادتها كما رسول رب العالمين صلى الله عليه وآله وسلم: (( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ))
فالحذر كل الحذر أرى شيئا خطيراً في أوساط أهل العلم لا سيما السياسيين والصحفيين يحكمون على نتائج الأشياء من عند أنفسهم، تاركين الأخذ بالاحوط والاعتماد على مصادر المعلومات ، يقول الصحفي والسياسي: يكون ذلك على ما أرى وعاقبة الأمر تكون على ذلك، فهذا ظن وتخمين البحت، والتخمين يعتبر نقضا لما نسجته الحقيقة ، وعملا بما نسجته الأوهام والخطورات الواهية: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) يونس.
أعطى الله تعالى ثلاثة اعضاء وجوارح عظيمة للتدبر والبحث والتقييم ، لأن الحقائق والوقائع تتبين بهذه الثلاثة العظيمة، واستعمالها فيما وراء ذلك إجرام وذنب لا يغتفر:
﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) الإسراء.
إبداء لطيفة : قدمت كلمة (السمع) على كلمة (البصر) في القرآن الكريم في معظم المواضع، وهذا ليست تصادفا واعتباطا بل يعود ذلك التقديم إلى أسباب تربوية، علمية، وسياقية. فالسمع هو الطريق الرئيسي لتلقي الوحي والهدى ووضعها في الذاكرة والقلب ثم خزنها وإعادتها وقت الضرورة بخلاف البصر.
فالمسلم الحقيقي الذي لا يريد أن يقع في معمعة تشوه سمعته لابد له التأكيد والاطمئنان في الأخبار والانباء قبل الحكم والعمل بمضمونها ، إذ ربما المخبر والمنبئ لا يقصد أن يرتكب معصية أو خطيئة أو حد الأقل يفعل شيئا يضر بالناس ولكن حالته الساذجية والبساطة تدفعه إلى ذلك كما قال سبحانه:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) الحجرات.
إن الذي نزلت في حقه الآية رجل صالح صادق وصحابي جليل رضي الله عنه ولكن الله تعالى أسماه بفاسق وليس ذاته بل لفعله الخطير الذي كاد أن يسبب اختلاق مشكلة جسيمة ، وأنا أذكر حديثاً حول ذلك:
(( قال: كان رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط, ثم أحد بني عمرو بن أمية, ثم أحد بني أبي معيط إلى بني المصطلق, ليأخذ منهم الصدقات, وإنه لما أتاهم الخبر فرحوا, وخرجوا ليَتَلَقَّوْا رسول رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, وإنه لما حدّث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه, رجع إلى رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم, فقال: يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة, فغضب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم غضبا شديدا, فبينما هو يحدّث نفسه أن يغزوهم, إذ أتاه الوفد, فقالوا: يا رسول الله, إنا حدّثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق, وإنا خشينا أن يكون إنما ردّه كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا, وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله, فأنـزل الله عذرهم في الكتاب, فقال ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )
مجلة روح الاسلام فيض المعارف