جَوْهَرُ الدِّينِ لَا شَكْلِيَّاتُ الطِّينِ بَيْنَ صَلَاحِ الظَّاهِرِ وَفَسَادِ البَاطِنِ
5 مايو، 2026
قضايا وأحكام

بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ التَّقْوَى مَحَلُّهَا الْقَلْبُ، وَأَفَاضَ بِنُورِ هِدَايَتِهِ عَلَى مَنْ أَخْلَصَ لَهُ الْحُبَّ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، بُعِثَ لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ، وَيَبْنِيَ صُرُوحَ الْقِيَمِ عَلَى أَسَاسِ الصِّدْقِ وَالْإِشْرَاقِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ وَسَيِّدِنَا عُمَرَ وَسَيِّدِنَا عُثْمَانَ وَسَيِّدِنَا عَلِيٍّ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَآلِ الْبَيْتِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ)، وَبَعْدُ؛
أولاً: الدِّينُ جَوْهَرٌ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مَظْهَرًا
أَيُّهَا السَّادَةُ الْكِرَامُ.. إِنَّ مَنَاطَ الْقَبُولِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ فِي رِدَاءٍ يَلْبَسُهُ الْمَرْءُ، وَلَا فِي سِمْتٍ يَتَظَاهَرُ بِهِ بَيْنَ الْخَلْقِ، بَلْ فِي نَقَاءِ السَّرِيرَةِ وَطَهَارَةِ الْبَاطِنِ. لَقَدْ حَذَّرَنَا سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ حَصْرِ الدِّينِ فِي الْأَشْكَالِ حِينَ قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ”.
فَاللِّحْيَةُ سُنَّةٌ، وَالسِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ، وَتَقْصِيرُ الثَّوْبِ كَانَ لِعِلَّةِ التَّوَاضُعِ، وَكُلُّهَا أُمُورٌ مَنْدُوبَةٌ وَجَيِّدَةٌ، لَكِنَّهَا تَصِيرُ جَسَدًا بِلَا رُوحٍ إِذَا غَابَ عَنْهَا الصِّدْقُ، وَالْأَمَانَةُ، وَالرَّحْمَةُ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ. إِنَّ خُطُورَةَ “التَّدَيُّنِ الشَّكْلِيِّ” أَنَّهُ قَدْ يُورِثُ صَاحِبَهُ كِبْرًا وَتَعَالِيًا عَلَى النَّاسِ، فَيَرَى نَفْسَهُ نَاجِيًا وَغَيْرَهُ هَالِكًا، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْفَسَادِ.
ثانياً: قِصَصٌ مِنَ السِّيرَةِ فِي نَقْدِ “الشَّكْلِيَّةِ”
تَأَمَّلُوا مَوْقِفَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَأَلَ أَصْحَابَهُ: “أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟”، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ ﷺ مُصَحِّحًا لِلْمَفَاهِيمِ: “إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ”.
هَذَا الرَّجُلُ لَمْ يَنْقُصْ شَيْءٌ مِنْ شَكْلِ عِبَادَتِهِ، فَقَدْ صَلَّى وَصَامَ وَزَكَى، لَكِنَّ خَرَابَ بَاطِنِهِ وَسُوءَ مُعَامَلَتِهِ لِلْخَلْقِ هَدَمَ كُلَّ مَا بَنَاهُ. وَكَذَلِكَ حَالَ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تُكْثِرُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ لَكِنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، فَقَالَ عَنْهَا ﷺ: “لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ فِي النَّارِ”.
ثالثاً: الدِّينُ الْمُعَامَلَةُ
لَمْ يَكُنْ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يَنْخَدِعُ بِمَظَاهِرِ الْعِبَادَةِ، حِينَ رَأَى رَجُلًا يُطَأْطِئُ رَقَبَتَهُ فِي الصَّلَاةِ مُتَظَاهِرًا بِالْخُشُوعِ، نَادَاهُ قَائِلًا: “يَا صَاحِبَ الرَّقَبَةِ، ارْفَعْ رَقَبَتَكَ، لَيْسَ الْخُشُوعُ فِي الرِّقَابِ، وَلَكِنَّ الْخُشُوعَ فِي الْقُلُوبِ”.
وَحِينَ جَاءَ رَجُلٌ يَشْهَدُ لِآخَرَ بِالصَّلَاحِ، سَأَلَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ: هَلْ سَافَرْتَ مَعَهُ؟ هَلْ عَامَلْتَهُ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ؟ هَلْ أَنْتَ جَارُهُ الَّذِي تَعْرِفُ مَدْخَلَهُ وَمَخْرَجَهُ؟ فَلَمَّا قَالَ الرَّجُلُ: لَا، قَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ: “لَعَلَّكَ رَأَيْتَهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ فِي الْمَسْجِدِ، اذْهَبْ فَإِنَّكَ لَا تَعْرِفُهُ”. هَكَذَا كَانَ الْفَهْمُ الصَّحِيحُ لِلدِّينِ؛ أَنَّهُ أَمَانَةٌ فِي الْيَدِ، وَصِدْقٌ فِي اللِّسَانِ، وَرَحْمَةٌ فِي الْقَلْبِ.
رابعاً: مَا قَالَهُ الشُّعَرَاءُ فِي نَقْدِ الرِّيَاءِ وَالْمَظَاهِرِ
يَقُولُ الشَّاعِرُ فِي وَصْفِ مَنْ يَهْتَمُّ بِالظَّاهِرِ وَيَنْسَى الْجَوْهَرَ:
يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَشْقَى بِخِدْمَتِهِ ** أَتَطْلُبُ الرِّبْحَ مِمَّا فِيهِ خُسْرَانُ
أَقْبِلْ عَلَى النَّفْسِ فَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا ** فَأَنْتَ بِالنَّفْسِ لَا بِالْجِسْمِ إِنْسَانُ
وَيَقُولُ الْآخَرُ فِي نَقْدِ مَنْ يَتَسَتَّرُ بِالثِّيَابِ وَقَلْبُهُ خَرِبٌ:
وَلَيْسَ الدِّينُ بِاللِّحَى وَلَا بِالثِّيَابِ ** وَلَكِنَّ الدِّينَ صِدْقٌ وَفِعْلُ صَوَابِ
فَكَمْ مِنْ لِحْيَةٍ طَالَتْ لِغَيْرِ تُقًى ** وَكَمْ مِنْ ثَوْبٍ قَصِيرٍ وَالْقَلْبُ كَالذِّئَابِ
خامساً: نَصَائِحُ عَمَلِيَّةٌ لِلْخُرُوجِ مِنْ فَخِّ الشَّكْلِيَّةِ
1. تَعَاهَدْ قَلْبَكَ دَائِمًا: اجْعَلْ هَمَّكَ الْأَوَّلَ أَنْ يَرَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ قَلْبِكَ التَّوَاضُعَ وَالْحُبَّ لِلْمُسْلِمِينَ، لَا الْعُجْبَ بِعَمَلِكَ.
2. اجْعَلْ خُلُقَكَ دَعْوَةً: النَّاسُ لَا يَقْرَؤُونَ الْمَصَاحِفَ كُلَّ يَوْمٍ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرَؤُونَ سُلُوكَكَ، فَكُنْ “مُصْحَفًا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ” بِأَمَانَتِكَ وَرَحْمَتِكَ.
3. التَّوَازُنُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَرِيضَةِ: لَا تُشَدِّدْ فِي مَنْدُوبٍ (مِثْلِ طُولِ اللِّحْيَةِ) وَتَتَسَاهَلْ فِي فَرِيضَةٍ (مِثْلِ جَبْرِ الْخَوَاطِرِ أَوْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَمَانَةِ الْعَمَلِ).
4. الِاشْتِغَالُ بِعُيُوبِ النَّفْسِ: مَنْ شَغَلَهُ عَيْبُ نَفْسِهِ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ ارْتَقَى، وَمَنْ شَغَلَهُ مَظْهَرُهُ لِيُقَيِّمَ بِهِ إِيمَانَ الْآخَرِينَ فَقَدْ زَلَّ.
5. نَقَاءُ الْبَيْتِ: ابْدَأْ بِمُعَامَلَةِ أَهْلِ بَيْتِكَ بِالرِّفْقِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ.
خِتَامًا:
إِنَّ جَمَالَ الظَّاهِرِ مَطْلُوبٌ، وَلَكِنَّ طَهَارَةَ الْبَاطِنِ رُكْنٌ مَهْيُوبٌ. فَلَا تَجْعَلُوا الدِّينَ قِشْرَةً تَنْكَسِرُ عِنْدَ أَوَّلِ اخْتِبَارٍ لِلْأَخْلَاقِ، بَلِ اجْعَلُوهُ جَوْهَرًا يَشِعُّ نُورًا فِي الْقُلُوبِ وَالْمُعَامَلَاتِ. اللَّهُمَّ جَمِّلْ بَوَاطِنَنَا بِالتَّقْوَى، وَظَوَاهِرَنَا بِالْقَبُولِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالهِدَايَةُ – كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَدُ إِسْمَاعِيلَ الفَشْنِيُّ، القاهره في ٣ مايو ٢٠٢٦م