وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ


بقلم: د. إسلام عوض مدير تحرير بجريدة الأهرام

تُعلمنا دروس التاريخ وسنن الكون أن القوة ليست قدرًا سرمديًا، وأن الدول كالكائنات الحية؛ تولد وتكبر، ثم تبلغ أوجها، قبل أن تدخل مرحلة السقوط والتردي.

واليوم، لم يعد الحديث عن أفول الهيمنة الأمريكية مجرد تنبؤات عاطفية، بل أصبح واقعًا ترسمه المعطيات الجيوسياسية، ويؤكده سلوك واشنطن الذي تحول من “القيادة” إلى “الهبوط” في مستنقع الاستنزاف والابتزاز.

لقد تخلت الولايات المتحدة عن دور القائد الذي يمنح الاستقرار، لتتقمص دور “الجابي” الذي يفرض الإتاوات على الأمم، حيث نشهد توسعًا محمومًا في استنزاف مقدرات العالم عبر الضرائب العابرة للحدود، والابتزاز المالي المباشر للدول تحت ذريعة الحماية، مما يمثل مرحلة الارتطام الاقتصادي الفعلي؛ فهذا اللجوء للعقوبات والضغوط المادية كأداة وحيدة يعكس عجزًا بنيويًا عن المنافسة الشريفة، وإعلانًا صريحًا عن إفلاس النموذج الذي كان يومًا مبهرًا.

إن هذا “السقوط” لا يقف عند الحدود المادية، بل يمتد ليكون انحدارًا قيميًا مريعًا، حيث تمادت واشنطن في انتهاك أقدس مواثيق القانون الدولي، فتغولت في الشئون الداخلية للدول، ووصلت غطرستها إلى حد اختطاف وتغييب الحكام والقادة الذين تمسكوا بسيادة بلادهم وعارضوا سياساتها الإملائية التوسعية، وهو سلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه انطفاء لروح الحضارة وارتداد نحو شريعة الغاب.

وعندما نتأمل هذا السقوط من الداخل، نجد مجتمعًا مأزومًا ونخبة سياسية غارقة في الترف والفسق بالقيم الإنسانية والفطرة السوية، وهنا تتجلى الحقيقة القرآنية كقانون صارم لا يحابي ولا يجامل أحدًا في قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}.

إن “مترفي” الإدارة الأمريكية واللوبيات المتحكمة فيها قد استمرأوا الفساد في الأرض، وطغوا في البلاد، واستنزفوا خيرات العباد بغير حق، وهذا الترف الذي يقود إلى الطغيان والانفصال عن الواقع، هو الوقود الذي يحرق أركان الدولة من الداخل، ويجعل من سقوط النجم حتمية تاريخية.

إن تراجع أمريكا ليس مجرد انسحاب عسكري من ساحة هنا أو هناك، بل هو انطفاء لنموذج أخلاقي لم يعد يملك ما يقدمه للبشرية سوى التهديد والنهب، والعالم اليوم يرقب هذا النجم وهو يهوي غير مأسوف عليه؛ لما ارتكبه من فظائع عبر تاريخه “القصير” بداية من كارثة إلقائه القنابل النووية، التي أكلت الأخضر واليابس، على هيروشيما وناجاساكي، وانتهاءً بما يفعله هذه الأيام في الدول والشعوب، مفسحًا المجال لولادة عالم متعدد الأقطاب، يرفض سياسة الإتاوات ويحترم سيادة الدول والأمم، مؤكدًا أن من استكبر واستنزف وفسق، لا بد أن يذوق في النهاية مرارة الدمار والزوال؛ ويحضرني في هذا المقام ما قاله الشاعر العباسي صالح بن عبدالقدوس:
ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع.