التصوف… جريمةُ الجمال، أم حُجُبُ الأبصار؟

بقلم : الشيخ  أحمد السيد شقرة، الحسيني، الشافعي الأزهري، الصديقي.

 تنبيه: هذا النص ليس دفاعًا انفعاليًا، ولا حكمًا مُسبقًا، وإنما محاولة لفهم سبب التباس المعنى، وكيف يُمكن أن يُرى الجمال فيُنكَر، لا لفساده، بل لاحتجاب العين عنه.

ليس الجمالُ غائبًا في ذاته، وإنما تغيب الأبصارُ عنه حين تُحجَب، وتَعْمَى البصائرُ عنه حين تُثْقَل، وكذلك كان شأن التصوف؛ لم ينطفئ نوره، ولكن القلوبَ التي تُبصره قد خفَتَ فيها الاستعداد، فصار النورُ قائمًا، والغفلةُ هي السائدة.

– أول ما غاب هو معنى التذوُّق:
لقد تحوَّلت العبادة عند كثيرين إلى حركاتٍ تُؤدَّى، وألفاظٍ تُكرَّر، بينما التصوف يُعلِّم أن وراء الصورة روحًا، ووراء اللفظ حضورًا، ووراء العمل سرًّا.

التصوف يؤكد أن من لم يذق؛ لم يعرف، ومن لم يعرف؛ أنكر، وهكذا أُقصي الجمال لا لأنه غريب، بل لأن أدوات إدراكه تعطَّلت.

وقد عبَّر عن هذا المعنى إمام القوم الجنيد البغدادي بقوله: “التصوف هو أن يُميتَك الحقُّ عنك، ويُحييَك به”، إشارةً إلى أنَّ حقيقته ذوقٌ ومعايشة، لا مجرد قولٍ أو دعوى.

وقال أيضًا: “الطرقُ كلُّها مسدودةٌ إلا على مَن اقتفى أثر الرسول ﷺ، واتبع سنته، ولزم طريقتَه؛ فإن طُرُقَ الخيرات كلها مفتوحة عليه”، ليؤكد أن هذا الذوق منضبطٌ بالاتباع لا بالابتداع.

– وثاني ما غاب: صحبة المُربِّين:
إن التصوف لم يكن يومًا كُتبًا تُقرأ فقط، بل كان أحوالًا تُكتسب، وأنفاسًا تُؤخذ عن أهلها، فلما انقطعت الصلة بكثيرٍ من أهل التربية الصادقين، أو شُوِّهت صورتهم؛ صار الناس يُطالعون التصوف في صفحاتٍ بلا روح؛ فظنُّوه جافًّا أو غامضًا، وهو في حقيقته حياةٌ كاملة.

وقد أبان سادتنا وعلماؤنا أهل الله أن هذا الطريق مبنيٌّ على متابعة الكتاب والسنة، وترك البدع، وملازمة الأدب، فقال الجنيد: “علمنا مقيدٌ بالكتاب والسنة، فمَن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث، لا يصح أن يتكلم في علمنا”.
وقال: “إذا رأيتم الرجل يمشى على الماء ويطير في الهواء فلا تلتفتوا إليه فإن الشيطان يطير من المشرق إلى المغرب، ويمشى على الماء، ولكن انظروا إلى اتَّباعه الكتاب والسنة؛ فإن الشيطان لا يقدر على ذلك أبدا”.

وقال ابن عطاء الله السكندري: “من ألزم نفسه آداب الشريعة نور الله قلبه بنور المعرفة … ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب ﷺ في أوامرِه وأفعالِه وأخلاقِه، فمَن زعم أن له مع الله حالًا يُخرجه عن حدِّ العلم الشرعي فهو ضالٌّ عن الحق”.

وقال سهل بن عبد الله التستري: “كلُّ وَجْدٍ لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل”.

بل قال حجة الإسلام الغزالي: “من زعم أن له مع الله حالًا أسقط عنه نحو الصلاة أو تحريم شرب الخمر وجب قتله … وقتل مثله أفضل من قتل مائة كاfفر؛ إذ كان ضرره أكثر”.

وقيل للجنيد: إن جماعة يزعمون أنهم يصِلُون إلى حالةٍ يسقط عنهم التكليف بها؛ قال: “وصلوا، ولكن إلى سقر…”
وقال في كلام آخر: “هذا وكلام مَن يقول بإباحة السرقة والزنا عندنا أهون حالا ممن يقول بهذه المقالة…”

ولقد صدق -رضي الله عنه-؛ فإن السرقة والزنا معصيتان، ولا يصل فاعلهما إلى حد الكفر، أما القائل بسقوط التكليف المعتقد له فقد انْسَلَّ من الدين كانسلال الشعرة من العجين.

وقال أبو يزيد البسطامي: “لو نظرتم إلى رجل أُعطي من الكرامات حتى يرتقي في الهواء، فلا تغتروا به؛ حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى، وحفظ الحدود، وأداء الشريعة”.

وقال النصر أباذى: “أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع”.

وقال أبو عمرو بن نجيد: كل حالٍ لا يكون عن نتيجة علمٍ؛ فإن ضررَه على صاحبه أعظم من نفعه.

وقال سيدي أحمد زروق: “أصل كلِّ أصلٍ من علوم الدنيا والآخرة مأخوذٌ من الكتاب والسنة مدحًا للممدوح وذمًّا للمذموم ووصفًا للمأمور به…”.

وقال ذو النون المصري:
“ولا عيش إلا مَعْ رجال قلوبهم *** تحـن إلى التقـــوى وترتــاح للذكـر
سكون إلى روح اليقين وطِيبِه *** كما سكن الطفل الرضيع إلى الحجر”.

وقال أبو مدين الغوث:
“ما لـذة العيش إلا صحبـــة الفقــــرا *** هم السلاطيــن والســـادات والأمــرا فاصحبهـــم
وتـــأدب في مجالسهـــم *** وخــل حظـــــك مهمــا قدمـوك ورا
واستغنم الوقت واحضر دائما معهـم *** واعلم بأن الرضا يختص من حضرا
إلى أن قال:
قوم كرام السجايا حيث ما جلســـــوا *** يبقى المكان على آثارهم عطــــرا
يهدى التصوف من أخلاقهم ظرفــــا *** حسـن التألف منهم راقنــي نظــرا
هـم أهل ودي وأحبــابـى الذيـــن همُ *** ممــــن يجر ذيول العــز مفتخـرا.
وبهذا ونحوه يتضح لنا أن التصوف طريق تربيةٍ وسلوك، وليس مجرد معلومات.

– وثالث ما غاب: التمييز بين الأصل والدخيل:
دخلت على التصوف عبر العصور شوائب، كما دخلت على سائر العلوم، فبدل أن يُنقَّى الأصل، رُفِض الكلُّ.

وهذا من أعجب ما يكون؛ أن يُترك الذهب لشوائب علقت به! ولو أنصفوا، لعلموا أن التصوف الحق هو التزكية التي أمر بها القرآن، والسلوك الذي جسَّده سيدُنا النبي ﷺ.

واسمحوا لي أن أنقل لكم كلام ابن تيمية نفسه عن الصوفية حيث قال: “والصواب أنهم -أي الصوفية- مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم في طاعة الله، ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين، وفي كل من الصِّنفين مَن قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب”. مجموع الفتاوى (11/ 18). وقال أيضًا: “وإنهم في ذلك بمنزلة الفقهاء في الرأي”. انظر: مجموع الفتاوى (10/ 370).

وقد لخَّص أبو حامد الغزالي هذا المعنى بقوله: علمُ المعاملة –وهو طريق الصوفية– هو ثمرةُ العلم، وبه نجاةُ العبد؛ مبينًا أن التصوف ليس غريبًا عن الدين، بل هو ثمرة امتثاله، وكان من دعاء سيدنا النبي ﷺ: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعمل لا يرفع، ودعاء لا يسمع».

– ورابع ما غاب: الاعتدال الذي يجمع ولا يُفرِّق:
التصوف الصحيح لا يُقصي الفقه، ولا يُعارض العقيدة، بل يُكمِّلها؛ هو روحٌ للعلم، وليس بديلًا عنه، لكن حين سادت نزعاتُ التَّشدُّد من جهةٍ، أو الانفلات من جهةٍ أخرى، ضاع الصوت المعتدل، فصار التصوف إمّا مُتَّهَمًا، أو مُستغَلًّا، وغاب وجهه الأصيل.

وقد نُسب للإمام مالك: “من تفقَّه ولم يتصوَّف فقد تفسَّق، ومن تصوَّف ولم يتفقَّه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقَّق”، وهي كلمة تُظهر ضرورة الجمع بين ظاهر الشريعة وباطنها.

– وخامس ما غاب: حضور القلب في زمن الضجيج:
نعيش عصرًا تتكاثر فيه الأصوات، وتتنازع فيه الخطابات، حتى صار السكون غريبًا، والتأمل نادرًا، والتصوف قائمٌ على لحظة صفاء، وخلوة صدق، ومحاسبة نفس، فمن أدمن الضجيج، استثقل السكون، ومن استثقل السكون، نفر من كل ما يُذكِّره به.

وقد قال ابن عطاء الله: “كيف يشرق قلبٌ صورُ الأكوان منطبعةٌ في مرآته؟!”، إشارةً إلى أن ازدحام الدنيا في القلب يحجب نور القرب.

لقد غاب جمال التصوف، لا لأنه اختفى، بل لأن الحُجُبَ كثرت: حُجُبُ الجهل، وحُجُبُ الهوى، وحُجُبُ الصور المشوَّهة، وحُجُبُ النفوس التي لم تذق طعم القرب، ولو أنهم أزالوا هذه الحُجُبَ؛ لرأوا أن التصوف ليس غريبًا عنهم، بل هو أقرب ما يكون إليهم؛ في خشوعهم إن خشعوا، وفي صدقهم إن صدقوا، وفي حبهم لله إن أخلصوا. وهذا لنؤكد أن القضية ليست في جمالٍ فُقد، بل في عينٍ لم تُبصر، وقلبٍ لم يستيقظ. وحين يستيقظ القلب، يدرك الحقيقة التي غابت طويلًا، وهي أن التصوف ليس طريقًا زائدًا عن الدين، بل هو عمقُه… وأن إنكاره لم يكن إلا أثرًا لغيابه في النفوس، لا لغيابه في الواقع.