من الهند إلى ليبيا كيف حمل الصوفية رسالة الإسلام والجهاد على أعناقهم
28 أبريل، 2026
جهاد الصوفية

بقلم : أ . أحمد المهيدى
لقد ارتبط التصوف الإسلامي عبر التاريخ بدور حضاري ودعوي عظيم، حتى إن كثيرًا من الباحثين المنصفين يرون أن انتشار الإسلام في مساحات واسعة من العالم لم يكن بالسيف كما يروّج البعض، بل كان في جانب كبير منه بجهود الصوفية وأهل التربية والسلوك الذين حملوا الإسلام خلقًا قبل أن يحملوه خطابًا.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك انتشار الإسلام في الهند، فقد كان للصوفية هناك دور محوري في دخول الناس إلى الإسلام، خاصة من خلال الطرق الصوفية الكبرى مثل الجشتية، والنقشبندية، والقادرية، والسهروردية وغيرها. لم يكن هؤلاء الشيوخ يعتمدون على الجدل العقيم أو الإكراه، بل دخلوا إلى قلوب الناس بحسن الخلق، والزهد، وخدمة الفقراء، والعدل بين الناس، والرحمة بالمخالف قبل الموافق.
كان الصوفي في الهند يعيش بين الناس لا فوقهم، يطعم الجائع، ويواسي المريض، ويستقبل الجميع دون تمييز، حتى وجد كثير من الهندوس في أخلاق هؤلاء صورة حية لما يدعون إليه. وقد أنشأ الصوفية الزوايا والخانقاوات التي كانت مراكز للعلم والذكر والإيواء والإطعام، فصارت هذه المؤسسات جسورًا اجتماعية وإنسانية جذبت الناس إلى الإسلام من غير قهر ولا استعلاء.
ولهذا علّل بعض الباحثين نجاح الصوفية في الدعوة بأن التوافق بين المسلمين وغير المسلمين لا يتم إلا على يد من “يعطون ولا يطلبون، ويقرضون ولا يأملون في شيء”، وهي حقيقة تجلت بوضوح في الهند، كما تجلت كذلك في أندونيسيا وغيرها من البلاد التي دخلها الإسلام عبر التجار والصوفية والدعاة لا عبر الجيوش.
أما الطريقة السنوسية فهي نموذج آخر عظيم يكشف الوجه العملي للتصوف الإسلامي، فقد جمعت بين الدعوة والإصلاح والجهاد، وأسهمت بقوة في نشر الإسلام في إفريقيا، خاصة في ليبيا وأواسط السودان والصحراء الكبرى.
ومن أبدع وسائلهم في نشر الإسلام أنهم كانوا يشترون الأرقاء صغارًا من السودان، ثم يربونهم في زواياهم تربية علمية وروحية، حتى إذا نضجوا وتعلموا أمور الدين وأصبحوا قادرين على التعليم والدعوة، أعتقوهم وأعادوهم إلى بلادهم ليكونوا دعاة وهداة بين أقوامهم، وكانوا يخرجون كل عام عددًا كبيرًا من هؤلاء الدعاة، فكانت السنوسية تصنع الرجال قبل أن تصنع المؤسسات.
ولم تكن زوايا السنوسية مجرد أماكن للذكر كما يتوهم البعض، بل كانت مدارس علم، ومساجد عبادة، ومراكز ضيافة، ومحطات تجارة، وثكنات مرابطة، ومعاقل أمن وحماية، حتى عمرت بها البلاد، وأمن بها العباد، وصارت قوة اجتماعية وسياسية يحسب لها المستعمر ألف حساب.
وقد وصف الفرنسيون السنوسيين بأنهم أشد صلابة من الحجر الصلد، لما وجدوه فيهم من قوة الثبات وشدة المقاومة. كما أشار الإمام محمد رشيد رضا إلى أن فرنسا استطاعت إفساد كثير من الطرق الصوفية الأخرى واستمالة بعض شيوخها، إلا الطريقة السنوسية التي بقيت عصية على الاحتواء والإفساد، بل كانت من أعظم القوى التي أقلقت الاستعمار الفرنسي والإيطالي.
ولولا السنوسية – كما يذكر بعض الباحثين – لما ذاقت إيطاليا مرارة الجهاد في برقة وطرابلس، ذلك الجهاد الذي أفقدها مئات الألوف من الرجال، وألوف الألوف من الأموال، وكانت السنوسية من أهم القوى التي حفظت للأمة روح المقاومة والكرامة.
لهذا فإن قراءة التصوف الإسلامي بعيدًا عن هذه الحقائق التاريخية ظلم كبير، لأن التصوف لم يكن يومًا انسحابًا من الحياة ولا هروبًا من الواقع، بل كان في كثير من مراحله قوة بناء، ومدرسة إصلاح، ومشروع نهضة، وسلاحًا في وجه الاستعمار، وجسرًا عظيمًا دخلت منه أمم كاملة إلى الإسلام.