آل البيت الطاهرين… حب واتباع

المقال الأول من سلسلة ( آل البيت الطاهرين… حب واتباع )

بقلم الشيخ : يوسف محمد السعداوى   
من علماء الازهر والاوقاف

لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم حظوة في دين الله تعالى، جعلت لهم مكانة في قلوب المؤمنين كمكانة المعتقد بالدين.

وهذا ليس بدعًا من القول، فتواتر النصوص الصحيحة السند من تفاسير آيات ذكرهم في كتاب الله تعالى، والأحاديث من السنة النبوية المطهرة، هي من أسست لمحبة آل البيت.


فالحب في المجتمع المؤمن هو ملاط المجتمع بأثره، ودعامته وركيزته الأساسية التي ينبني عليها، فعليه تقوم قواعد الترابط والتماسك المجتمعي، وتقوى أواصر المحبة والمودة في المجتمع.


لذا أسس النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأساس في حديثه الشريف:

(لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).

فكان التأسيس الأول على الحب، كشعار تبرز به مظاهر المجتمع المؤمن، الذي بالحب يسوده الوئام والسلام والأمن والإيمان.


من أهم مظاهر الحب الحقيقي الساكن في خلجات القلوب هي المودة بين المحبين، وتبادل المشاعر النبيلة، ومسارعة المحب وسباقه في بذل الود والاحترام والتقدير لمحبوبه، والتفاني في وصله وإسعاده.


وذلك لا يكون إلا بتلبس المحب بحبيبه، كأنه روحه التي بين جنبيه.

حب آل البيت من أين بدأ؟
عندما جاء عمر الفاروق رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له:
يا رسول الله، إني أحبك، ولكن ليس أكثر من نفسي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(والله يا عمر، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين).

وهنا كانت البداية.

حب الرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا يُثمن بنفائس الدنيا لدى الناس، وعلى رأسها النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق.
إنه حب ليس لثقله وزن، حب مفروض لا ينجو العبد إلا به، ولا يكمل إيمانه إلا به.
حب ليس كحب المشاعر والأحاسيس، يُعبَّر عنه بالكلمات ويُصوَّر بالمدائح والأشعار ساعة انتشاء النفس بشعوره ثم يخفت إذا خفتت، وإنما هو حب يُعبَّر عنه بالعمل، الذي يحمل بابين:
باب رد الجميل لصاحب النعمة صلى الله عليه وسلم،
وباب التأسي به والسير على خطاه.

وكلاهما لم يخلُ القرآن من نص عليهما، بل أمر بهما أمرًا صريحًا واضحًا، فقال في الاقتداء بالمحبوب الأول صلى الله عليه وسلم:

(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر).
فجعله سراج الطريق لمن أراد الوصول إلى الله، ومن يسلك غير مسلكه خلقًا وعملًا وأدبًا لا يصل، وتتلقفه الفتن وترديه البلايا.

ثم نص على رد الجميل له صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:

(قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ).

كالعادة لكل معلم أجر، ولكل دليل على طريق يتوه الناس فيه بدونه أجر، ولكل صاحب معروف مكافأة عليه، ولكن الحبيب صلى الله عليه وسلم ما طلب سوى المكافأة على المعروف الأعظم، الذي نال كل من اهتدى به إلى الله، أن تكون المودة في قرابته صلى الله عليه وسلم، وأهل بيته منهم على الأخص.


سنفرد الحديث بإذن الله تعالى عن من هم أهل بيته، ولكننا اليوم نتكلم عن بداية الحب لهم: من أين بدأ؟


فقد كانت بدايته من مؤسِّسه صلى الله عليه وسلم، عنوانًا للإيمان الصادق، ثم مكافأته صلى الله عليه وسلم بمودة أهل بيته وقرابته برهانًا على حبه.


ولكن لم يقف الأمر عند طلب المودة فحسب، بل اتسع العنوان ليدخلهم صلى الله عليه وسلم في عباءة الحب الإلهي القدسي، الذي جمع بين الله تعالى ورسوله وآل بيت نبيه، في تكامل عظيم بين أركان هذا الحب وأهدافه ودوافعه.


فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلي القاعدة الأصولية في الحب أمام الناظرين، لتشخص إليها أبصار المؤمنين، فيقول:

(والله لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).

فأسس القواعد من البيت الإيماني، ثم جمع البناء بآل بيته الأطهار على نفس القواعد.

فعندما نزل قول الله تعالى:
(إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا)،
أم سلمة تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيتها، فأتته فاطمة ببرمة فيها خزيرة، فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعي زوجك وابنيك.
قالت: فجاء علي والحسن والحسين، فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامة له على دكان تحته كساء له خيبري.
قالت: وأنا أصلي في الحجرة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية:
(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا).
قالت: فأخذ فضل الكساء فغشاهم به، ثم أخرج يده فألوى بها إلى السماء، ثم قال:
“اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا، اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا”.
قالت: فأدخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟
قال: “إنك إلى خير، إنك إلى خير”.
— مسند الإمام أحمد

ثم كانت له الأوامر الصريحة صلى الله عليه وسلم في حبهم، التي لا يتم الإيمان إلا بها، ولا يحسن إيمان عبد لا يحب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم حتى يحبهم.

لماذا حبهم في قواعد الإيمان؟
إذا كان حبهم فرضًا عند جمع من المؤمنين، ومودتهم مكافأة الحب لسيد المرسلين، فهل ذلك منقطع عند زمان ما، أو جيل وجب عليهم وانتفى عن غيرهم؟
وهنا يتضح الأمر جليًا من خلال بيان فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين، من عهده إلى قيام الدين.

والمعنى أن حب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم قائم دائم، واجب على المؤمنين بدوام هذا الدين، طالما أن هناك على ظهر الأرض مؤمنين موحدين.

فهذا الحب هو رد جميل النبي صلى الله عليه وسلم، ومودة ذوي قراباه هي المكافأة من كل جيل ناله فضل هداية رب العالمين على إثر بعثة الصادق الأمين.

فخطاب الحب والمودة في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم دائم متجدد، لا ينقطع، مفروض على أهل الإيمان من كل جيل، وهو ركن ركين يجب تعلمه وتعليمه لأبناء الأمة صغارًا وكبارًا، حتى لا نجافي الأدب معهم ولا مع الحبيب الأعظم، سيد الأولين والآخرين، عليه أفضل الصلاة والسلام.


إنه حب سلسلة متصلة من الأرض إلى السماء، حلقاته الوفاء لرب العالمين بشكر نعمة نبيه صلى الله عليه وسلم، والوفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحب آل بيته ومودة ذوي قربته.


إنها سلسلة الحب ذات الحلقة الواحدة بين طرفي الأرض والسماء، حلقتها هو الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي دلنا على الله فأحببناه، ودلنا على أهل بيته فأحببناهم، وكان هو صلى الله عليه وسلم النعمة المزدوجة في هذا الحب الأعظم.

بقي لنا الاتباع، وهو في لقاء قادم بإذن الله.