ما هي هذه الوصايا الخمس؟ وما أعظمُها من وصايا:


بقلم الشيخ : جمال عبدالحميد ابراهيم

عضو لجنة صانعى السلام والمنظمة العالمية لخريجى الازهر

“اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ: شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك”. ورسولُ اللهِ ﷺ يلفتُ نظرَنا إلى أهمِ مراحلَ يمرُ بها الإنسانُ في الدنيا وهي “الشباب، والعافية، والفراغ، والغنى، والحياة”؛ وهي إن استثمرناها بحق نِلنَا خيري الدنيا والآخرة.

 الوصيةُ الأولى: “شبابَك قبل هرمِك”:
أي استثمر مرحلة الشباب قبل أن تصِل الشيخوخة؛ لأن مرحلةَ الشباب هي مرحلةُ ربيعِ العمرِ، يكونُ فيها الإنسانُ قوياً مفعماً بالحيويةِ والنشاط (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) قال المعري “ثلاثةٌ ليس لها إياب: الوقت والجمال والشباب”. الطاعةُ في مرحلةِ الشباب أجرُها كبير لأن الشاب يحفظُ شبابَه في طاعةِ اللهِ تعالى قالَ رسُولُ اللَّه ﷺ: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: وشابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّه تَعالى…، لا يُدرك قيمة مرحلة الشباب إلا من بَلَغَ الشيخوخة فاحرِصوا أيها الشباب على اغتنامِها في مجال الخير قبل أن ترحل.


الوصية الثانية: “وصِحتَك قبل سَقمِك”
:
يُبصِرُنا رسولُ اللهِ ﷺ بتقلبِ الحياة، وأنها لا تدوم على حالٍ واحد فيومٌ حزن ويومٌ فرح، ويومٌ سقم ويومٌ عافية فلنُوظِف مرحلةَ العافية في مجالِ الخيرِ والعمل الصالح قبل أن يأتي المرض، بحيث إذا اغتنم الإنسانُ أوقات العافية بالعملِ الصالح ثم ابتلاه اللهُ تعالى بالمرض كُتِبَ له ثوابُ ما كان يفعلُ من أعمالِ الخيرِ في أوقاتِ العافية عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: “إذا مَرِضَ العبدُ أو سافرَ كُتِبَ لَهُ من العملِ ما كانَ يعمَلُهُ وَهوَ صحيحٌ مُقِيمٌ”. ولتكن زيارتُنا للمرضى في البيوتِ والمستشفياتِ تذكيرٌ بنعمةِ العافية التي منحنا اللهُ تعالى لها عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحةُ، والفراغُ».


 الوصية الثالثة: “وغِنَاك قبل فقرِك”:
يُبصِرُنا رسولُ الله ﷺ كذلك بتقلب الحياة في الرزق بحيث يبتلي اللهُ تعالى الإنسانَ تارةً بالغِنى وتارةً بالفقر قال تعالى (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ** وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) وفي الحالين حال الغنى والفقر، ليس المقصود الإكرام والإهانة بل الاختبار والامتحان للإنسان قال بن كثير رحمه الله في تفسير الآية: “يقول تعالى منكراً على الإنسان في اعتقادِه إذا وَسَعَ اللهُ عليه في الرزق ليختَبِره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من اللهِ إكرامٌ له وليس كذلك، بل هو ابتلاءٌ وامتحانٌ. الوصية.

الوصية الرابعة: “وفَراغَك قبل شُغلِك”:
يُبصِرُنا رسولُ اللهِ ﷺ بنعمة أخرى يغفلُ عنها كثيرٌ من الناس وهي الفراغ قال رسول الله ﷺ: “نعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ” فالفراغُ نعمةٌ كبيرة يُمكن أن يستغِلها المسلمُ في طاعةِ الله تعالى، وفي تحصيلِ العلمِ النافع، وفي اكتسابِ المهاراتِ المهنية التي تُعينُه على الكسب الحلال كأعمال الكهرباء والسباكة والنجارة والميكانيكا، أو غير ذلك. قال أحد السلف “مَنْ أَمْضَى يَوْمَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ قَضَاهُ، أَوْ فَرْضٍ أَدَّاهُ، أَوْ مَجْدٍ أَثَّلَهُ أَوْ حَمْدٍ حَصَّلَهُ، أَوْ خَيْرٍ أَسَّسَهُ أَوْ عِلْمٍ اقْتَبَسَهُ، فَقَدْ عَقَّ يَوْمَهُ وَظَلَمَ نَفْسَهُ”. فلنَحرِص على اغتنامِ الفراغ حتى لا نندم يوم لا ينفعُ الندم.

الوصية الخامسة: “وحياتَك قبل موتِك”:
خلق اللهُ تعالى الموتَ والحياةَ للابتلاء (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)، ولذلك العاقل يستثمر حياتَه في الحِرص على مرضاةِ اللهِ تعالى قبل أن ينتقلَ إلى الرفيقِ الأعلى قال رسولُ اللهِ ﷺ: “إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عمَلُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ ينتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له” والإنسانُ لا يعلم متى يموت ولذلك عليه أن يُبادِر بالأعمالِ الصالحة قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)

عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: أتاني جبريلُ عليه السَّلامُ فقال: يا محمَّدُ! عِشْ ما شئتَ فإنَّك ميِّتٌ، وأحبِبْ من شئتَ فإنَّك مُفارِقُه، واعمَلْ ما شئتَ فإنَّك مجزِيٌّ به، ثمَّ قال: يا محمَّدُ ! شرفُ المؤمنِ قيامُه باللَّيلِ، وعِزُّه استغناؤُه عن النَّاسِ”. وعَنْ أبي يَعْلَى شَدَّادِ بْن أَوْسٍ رضي الله عنه عن النَّبيّ ﷺ قَالَ: الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِما بَعد الموت