مكانة الأقباط في القرآن


بقلم / الدكتور : محمود حسن محمود 

ادارة التحرير والترجمة والنشر بالمجلس الاعلى للشئون الاسلامية

تتسم العلاقة بين الإسلام والمسيحية في التصور القرآني والنبوي بعمق فلسفي وتشريعي يتجاوز مجرد “التعايش” إلى “المؤاخاة الإيمانية” في أصل النبوة.

​المكانة الحقوقية والقيمية للمسيحيين في الوحيين:

​إن الناظر في المصادر التأسيسية للشريعة الإسلامية يجد أن وضع المسيحيين (أهل الكتاب) لم يكن وضعاً طارئاً، بل هو وضع متأصل يقوم على الاعتراف بـ “الآخر” كجزء من الهوية الدينية العالمية.

​أولاً: الامتياز القيمي والوصف القرآني:

​لم يكتفِ القرآن بذكر المسيحيين كفئة دينية، بل خلع عليهم أوصافاً أخلاقية تميزهم عن غيرهم، وذلك في سياق الثناء على رقة قلوبهم.

​قال تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} [الحديد: 27].

​ نلاحظ هنا نسبة “الرأفة والرحمة” إلى قلوبهم كصفة ملازمة لمن اتبع المنهج المسيحي الحق، وهو ما يفسر قوله تعالى في آية أخرى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ} [المائدة: 82].

​ثانياً: الحماية النبوية والذمة الجامعة:

​انتقلت المكانة من الحيز القيمي إلى الحيز القانوني (الدستوري) في عهد النبي ﷺ، حيث أرسى مبدأ “المواطنة” وحماية دور العبادة والأنفس.
​ عن صفوان بن سليم عن عدد من أصحاب النبي ﷺ عن آبائهم أن رسول الله ﷺ قال: «ألا مَنْ ظلمَ معاهداً، أو انتقصَهُ، أو كلفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئاً بغيرِ طيبِ نفسٍ، فأنا حجيجُهُ يومَ القيامةِ».
​ أخرجه أبو داود في سننه (رقم 3052)، والبيهقي في السنن الكبرى.
​ لفظ “حجيجه” (أي خصمه) يرفع حماية أهل الكتاب إلى مستوى المسؤولية الشخصية للنبي ﷺ أمام الله، مما يجعل الاعتداء عليهم اعتداءً على ذمة الرسول ذاته.

​ثالثاً: حقوق الجوار والمصاهرة (الاندماج العضوي) :

​أرسى الإسلام قاعدة “الوحدة في التنوع” من خلال إباحة الاندماج الاجتماعي الذي يصل إلى حد “السكينة والمودة” في الزواج.
​ قال تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5].
​التحليل الفقهي: إباحة الزواج من الكتابية يعني أن المسلم مأمور شرعاً ببرّ زوجته المسيحية وتمكينها من ممارسة شعائرها، وربط أواصر القربى (الأخوال والخالات) بغير المسلمين، مما يجعل المودة أمراً طبيعياً وفطرياً لا مجرد شعارات.

​رابعاً: توثيق “وثيقة نجران” (المرجع التاريخي) :

​تعد “عهدة النبي لأهل نجران” من أعمق الوثائق التاريخية التي جسدت هذه المكانة.
​نص من العهدة: “ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم (كنائسهم)، وألا يغيروا مما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم ولا مناراتهم”.
​المصدر: ذكرها ابن سعد في “الطبقات الكبرى”، وأبو عبيد في “الأموال”.
​ الوثيقة تؤكد حماية “الملة” (الدين) و”البيَع” (دور العبادة) ومنع التدخل في شؤونهم الخاصة، وهو قمة التسامح الديني.

​خامساً: الإنصاف والعدالة القضائية :

​أكد القرآن على ضرورة العدل المطلق معهم حتى في لحظات الخلاف أو الحرب.
​ {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [المائدة: 8].
​ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لَمْ يَرِحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها تُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ عامًا».
​التخريج: أخرجه البخاري في صحيحه (رقم 3166).

وختاما :

​إن المكانة التي وضعها القرآن الكريم والسنة النبوية للمسيحيين ليست مجرد تسامح “شكلي”، بل هي بنية حقوقية متكاملة. تبدأ من الاعتراف بقدسية كتبهم ورسلهم، وتمر عبر حماية دور عبادتهم ودمائهم، وصولاً إلى دمجهم في النسيج الاجتماعي من خلال الزواج والمصاهرة. إن هذا التوثيق يثبت أن الإسلام يرى في “أهل الكتاب” شركاء في الحضارة وفي القيم الإنسانية الكبرى تحت مظلة العدل المطلق.