تحرير مسألةالفحصُ الجينيُّ قبل الزواج قراءةٌ في التأصيل الشرعي والمقاصد المرعية
11 أبريل، 2026
قضايا وأحكام

بقلم: الشيخ محمد هاشم
بداية:
مع تسارع التقدم الطبي، برز ما يُعرف بـ“الفحص الجيني قبل الزواج” بوصفه وسيلة حديثة للكشف عن الأمراض الوراثية المحتملة، وهو ما أثار تساؤلاتٍ فقهيةً مشروعة:
هل لهذا الإجراء أصل في الشريعة؟
وهل يتفق مع روحها ومقاصدها، أم يُعدّ تدخّلًا في مجريات القدر، أو فتحًا لباب الوسوسة والحرج؟
وهذه المقالة محاولة لقراءة هذه النازلة في ضوء الأصول الشرعية والقواعد الكلية، مع استحضار ما قرره الفقهاء، وما انتهت إليه المجامع الفقهية المعاصرة.
أولًا: الفحص الجيني بين حداثة الوسيلة وأصالة المعنى:
لم يعرف الفقهاء المتقدمون الفحص الجيني بصورته المعاصرة، غير أنهم قرروا أصولًا عامة تندرج هذه الوسيلة تحتها، من أبرزها:
اعتبار العيوب المؤثرة في النكاح، وإثبات الخيار عند ظهورها
تحريم التدليس والغش في عقود الزواج
تقرير قاعدة: “لا ضرر ولا ضرار” وقاعدة: “الضرر يزال”
ومن هنا يظهر أن الفحص الجيني ليس حكمًا شرعيًا مستقلًا، بل هو وسيلة حديثة تُكيَّف على هذه الأصول الراسخة، فيكون حكمه تابعًا لما يحققه من مصالح أو يدرؤه من مفاسد.
ثانيًا: الفحص الجيني في ميزان المقاصد الشرعية :
إذا نظرنا إلى مقاصد الشريعة الكلية، وجدنا أن هذا الفحص يتصل اتصالًا مباشرًا بمقصدين عظيمين:
الأول. حفظ النفس، والثاني حفظ النسل
ولا ريب أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا كان الفحص الجيني يسهم في تقليل معاناة متوقعة، أو دفع ضرر غالب، فإنه يندرج تحت الوسائل المشروعة، بل قد يُستحب في بعض الأحوال.
ثالثًا: بين الاحتياط المشروع والتكلف المذموم :
مشروعية الفحص لا تعني إطلاقه بلا ضوابط، إذ قد ينقلب من وسيلة نافعة إلى باب من أبواب الحرج، إذا أُسيء استعماله، ومن ذلك: تعطيل الزواج بلا موجب معتبر أو
إثارة الوسوسة والقلق. أو التمييز أو الوصم الاجتماعي
أو انتهاك الخصوصيات الطبية
وعليه، فالموقف الشرعي المتوازن هو:
إثبات أصل المشروعية، مع تقييده بالحكمة والمصلحة الحقيقية.
رابعًا: الاغتراب في الزواج بين الأثر والمعنى :
اشتهر قول: “اغتربوا لا تضووا”، وهو لا يثبت حديثًا مرفوعًا، غير أن معناه معتبر من حيث الجملة، وقد أشار بعض أهل العلم إلى استحباب البعد في الزواج طلبًا لقوة النسل.
وقد جاء الطب الحديث مؤيدًا لهذا المعنى من جهة تقليل احتمالات الأمراض الوراثية في بعض صور زواج الأقارب.
ومن هنا: فإن الفحص الجيني في عصرنا يُعدّ وسيلة أدق لتحقيق هذا المقصد، إذ يكشف حقيقة الاستعداد الوراثي، فيكون أبلغ في درء الضرر.
خامسًا: الفحص الجيني في قرارات المجامع الفقهية :
جاءت قرارات المجامع الفقهية المعاصرة مؤكدة لهذا الاتجاه الوسطي، ومن ذلك:
1. مجمع الفقه الإسلامي الدولي (التابع لمنظمة التعاون الإسلامي)
قرر في دوراته المتعلقة بالطب المعاصر:
جواز الفحص الطبي قبل الزواج، وأنه وسيلة وقائية مشروعة
مع التأكيد على: سرية النتائج وعدم الإضرار بالأفراد
كما أكد أن: الفحص لا يُعدّ مانعًا شرعيًا من إتمام الزواج، وإنما هو من باب الإرشاد والنصح.
2. المجمع الفقهي الإسلامي (رابطة العالم الإسلامي)
جاء في توصياته: استحباب إجراء الفحص قبل الزواج
لما فيه من: تقليل الأمراض الوراثية وحماية الأسرة والمجتمع
مع التنبيه على:
عدم اتخاذه وسيلة قهرية تمنع الزواج
سادسًا: بين الأخذ بالأسباب والإيمان بالقدر
قد يُتوهم أن الفحص الجيني ينافي التوكل، وليس كذلك؛
فإن الشريعة قررت: الأخذ بالأسباب مع تمام التوكل على الله
فالفحص من جنس: التداوي، والاحتياط قبل وقوع الضرر
ولا يعارض الإيمان بالقدر، بل هو من تمام الامتثال له.
الخلاصة:
يتبيّن أن الفحص الجيني قبل الزواج:
وسيلة معاصرة مشروعة
تندرج تحت أصول شرعية مستقرة
وتخدم مقاصد عظيمة في حفظ النفس والنسل
فإن استُعمل بوعيٍ، كان من الأخذ المشروع بالأسباب،
وإن أُسيء استعماله، انقلب إلى باب من أبواب الحرج.
ويبقى الميزان الدقيق: تحقيق المصلحة المعتبرة، في ضوء الشرع، دون إفراطٍ ولا تفريط.