من قيدٍ إلى كرامة: كيف صنع الإسلام إنسانية الأسير؟
31 مارس، 2026
الإسلام وبناء الحضارة

بقلم الشيخ : عبدالرحمن رضوان المرصفي
إمام وخطيب ومدرس
عضو الإدارة العامة للفتوى وبحوث الدعوة
شتّان بينَ الإسلام وغيره في التعامل مع الأسرى
يروي سيدنا عزيز بن عمير – وهو شقيق الصحابي سيدنا مصعب بن عمير، وكان ولا يزال مشركًا – قائلًا: “كُنتُ في الأُسَارَى يومَ بَدْرٍ، فَقَالَ رسولُ اللهِ ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالأُسَارَى خَيْرًا». وَكُنْتُ فِي نَفَرٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَكَانُوا إِذَا قَدَّمُوا غَدَاءَهُمْ أَوْ عَشَاءَهُمْ، أَكَلُوا التَّمْرَ وَأَطْعَمُونِي الْخُبْزَ، لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهُمْ بِنَا. فَمَا تَقَعُ فِي يَدِ رَجُلٍ مِنْهُمْ كِسْرَةُ خُبْزٍ إِلَّا نَفَحَنِي بِهَا – أي: أعطاني إياها – فَأَسْتَحِي فَأَرُدُّهَا عَلَيْهِ، فَيَرُدُّهَا عَلَيَّ مَا يَمَسُّهَا”.
وقع سيدنا عزيز بن عمير أسيرًا في يد المسلمين يوم بدر، فشملته وصية رسول الله ﷺ: “استوصوا بالأسارى خيراً”
لقد كان الأنصار يؤثرونه على أنفسهم بالخبز، ويأكلون هم التمر – الخبز كان هو الطعام الأفضل آنذاك- وكان المسلمون يقدمونه على أنفسهم في المأكل والمشرب تنفيذًا لوصية سيدنا رسول الله ﷺ.
وقد جسدت قصته هذه -وغيرها الكثير في كتب السنة والسيرة- فلسفةَ الإسلام في التعامل مع الأسرى، والتي حوّلت الأسر من قيدٍ وذل إلى مدرسة في الأخلاق تملأ قلب الأسير هيبةً وتقديرًا لآسره.
فلسفة الإسلام في معاملة الأسرى تتلخص في: “إنسانية تفوق القوانين الوضعية”
وهذا في نقاط معدودة:
• الوصية النبوية: “استوصوا بالأسارى خيراً”؛ قاعدة ذهبية جعلت الإحسان للأسير عبادة يتقرب بها المسلم لخالقه، لا مجرد التزام سياسي.
• مبدأ الإيثار: تقديم “الأفضل” للأسير (إيثار الخبز على التمر) تطبيقًا لقوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}.
• صون الكرامة الإنسانية: تحريم التعذيب، والتمثيل، والإذلال النفسي؛ كتأكيد لقول الحق جل وعلا: {وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَـٰهُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّیِّبَـٰتِ وَفَضَّلۡنَـٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِیر مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِیلا} [الإسراء: 70]، فالأسير في الإسلام “إنسان” ضعيف تجب حمايته، وليس غنيمة حرب للبطش.
• المراقبة: بخلاف القوانين الوضعية، ينبع التعامل الإسلامي من رقابة الله، مما يضمن كرامة الأسير حتى في غياب الرقابة الدولية.
• الرسالة الأسمى: تهدف المعاملة الحسنة إلى كسب القلوب وإظهار جوهر الإسلام، فكم من أسير تحول من عدو إلى محب بفضل “رقي الآسر”، يقول الحق جل وعلا: {ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَیۡنَكَ وَبَیۡنَهُۥ عَدَ ٰوَة كَأَنَّهُۥ وَلِیٌّ حَمِیم} [فصلت:34]
الخلاصة: في الإسلام.. تنتهي الحرب وتخمد نيرانها عند كرامة الإنسان.
مراجع:
• المعجم الكبير للطبراني و”المعجم الصغير”.
• سيرة ابن هشام.
• تاريخ الطبري.