التصوف.. طريق الإحسان لا باب التشيّع
22 مارس، 2026
منهج الصوفية

بقلم الشيخ : عبدالله قدري
في خضم الجدل الديني المعاصر، تتردد على ألسنة بعض النابتة دعوى قديمة متجددة، تزعم أن التصوف بابٌ للتشيّع، وأن سالكه يُخشى عليه من الانحراف عن جادة أهل السنة. وهذه الدعوى – عند التحقيق – ليست سوى خلطٍ بين حقائق التاريخ، وسوء فهمٍ لطبيعة التصوف، بل وجهلٍ بحقيقته ومنهجه.
إن التصوف في أصله ليس مذهبًا عقديًا مستقلًا، ولا فرقةً تنازع أهل السنة أصولهم، بل هو مقام الإحسان الذي عرّفه النبي ﷺ في حديث جبريل: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. فهو اشتغالٌ بتزكية النفوس، وتطهير القلوب، وترقية السلوك، لا تغييرٌ للعقائد ولا تبديلٌ للأصول.
وقد نشأ التصوف في بيئة سنية خالصة، وكان أعلامه من كبار أئمة الإسلام الذين يُحتج بهم في الدين، كالإمام الجنيد البغدادي الذي قال: “طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة”، والإمام عبد القادر الجيلاني الذي كان من أعلام أهل السنة والجماعة، والإمام أبو حامد الغزالي الذي جدد علوم الدين على أساسٍ سنيٍ متين.
فكيف يُعقل بعد ذلك أن يكون التصوف – الذي مثّله هؤلاء الأعلام – بابًا للتشيّع؟!
نعم، لا يُنكر منصف أن بعض الممارسات المنحرفة قد تسللت إلى بعض الطرق في عصور الانحطاط، كما تسللت البدع إلى غيرها من مجالات الدين، لكن هذا لا يقدح في الأصل، ولا يُنسب إلى التصوف الحق. فالانحراف طارئ، والأصل باقٍ نقيٌّ لمن طلبه على وجهه.
أما منشأ هذه الشبهة، فيعود إلى أمرين:
أولًا: محبة آل بيت النبي ﷺ، وهي ركنٌ أصيل في عقيدة أهل السنة، قبل أن تكون شعارًا عند غيرهم. فالصوفي إذا أكثر من ذكر مناقب آل البيت، أو أظهر محبتهم، ظن الجاهل أنه تشيّع، وما علم أن هذه المحبة دينٌ يُتقرّب به إلى الله.
ثانيًا: استعمال بعض المصطلحات أو الإشارات الروحية التي قد تتشابه في ظاهرها مع ما عند بعض فرق الشيعة، مع اختلاف المعاني والمراد، فاختلط الأمر على من لم يحقق ولم يميز.
والحق الذي ينبغي أن يُقرر بوضوح: أن التصوف السني الصحيح هو امتدادٌ لمدرسة الصحابة والتابعين في الزهد والورع والإخلاص، لا علاقة له بالانحرافات العقدية، ولا يُفضي بطبعه إلى التشيّع، بل يربي على التمسك بالسنة، وتعظيم الشريعة، وتعليق القلب بالله وحده.
وإن من الظلم البين أن يُحاكم علمٌ جليلٌ كالتصوف بأخطاء بعض المنتسبين إليه، كما لا يُحاكم الفقه أو الحديث بانحراف بعض من انتسب إليهما. فالميزان هو التحقيق لا التعميم، والعدل لا التهويل.
ختامًا، فإن التصوف إذا صَحّ على ميزان الكتاب والسنة، كان بابًا من أعظم أبواب التربية والإصلاح، يُخرج من القلوب أمراضها، ويغرس فيها نور الإيمان، ويصنع رجالًا ربانيين يجمعون بين ظاهر الشريعة وباطن الحقيقة.
فليتق الله من يطلق الأحكام جزافًا، وليعلم أن التفريق بين الحق والباطل لا يكون بالشعارات، بل بالعلم والإنصاف.