
بقلم / أ : دينا عبدالفتاح
باحثة فى العلوم الانسانية والتصوف الاسلامى
يا صاحبي.. لا تعجب من صراعك المرير، فعلاقتُك بنفسك تشبه تماماً علاقتك بجسدك. هل رأيتَ يوماً من يريدُ بناء عضلاته كيف يذهبُ كلَّ يوم ليرفعَ الأثقال التي تُجهِدُ جسدَهُ وتُؤلمُ مفاصلَه؟ إنه يفعلُ ذلك بابتسامة، لأنه يعلمُ أنَّ “الألم” هو السبيل الوحيد للقوة.
كذلك هي نفسُك..
تحتاجُ إلى “تدريب” شاقٍ وطويل. لا تظن أنَّ الطاعة ستأتيك طيِّعةً من أولِ سجدة، بل هي رياضةُ النفس ترويضٌ لجموح العادات، وصبرٌ على أوجاع التغيير.
1. الصبرُ على مَرض النفس:
اعلم أنَّ ذنوبك وتقصيرك هما “مرضٌ” أصاب الروح، والمريضُ لا يبرأُ في ليلةٍ وضحاها. إنَّ أعظم دليل على محبة الله لك هو أنه رزقك “الصبر على مجاهدة مرضك”. إنه يراقبُك وأنت تتناولُ دواءَ الذِكر المرّ على لسان الغفلة، ويراك وأنت تُلزمُ نفسك بحِمية الطاعة الصعبة على هوى النفس.. وكلُّ هذا “الرهق” مكتوبٌ عنده في ديوان الأجر.
2. الأجرُ على “المحاولة” لا على “الكمال”:
إنَّ من عظيمِ ودِّ الله لنا أنه لا يحاسبنا بمقاييس البشر. البشر يمنحونك الجائزة إذا وصلتَ خط النهاية، أما الله.. فيعطيك الجائزة على كل “تعثرٍ” قمتَ بعده، وعلى كل “عثرةٍ” بكيتَ منها،أنتَ مُثابٌ على “المجاهدة” ذاتها، حتى لو لم تصل إلى الدرجة التي تمنيتها. فالمجاهدةُ في حدّ ذاتها صلاةٌ طويلة، وصيامٌ عن الهوى لا ينقطع أجرُه.
3. المحبةُ الكامنة في التعب:
قد تتساءل: “لماذا جعل اللهُ الطريقَ إليه يحتاجُ كلَّ هذا التعب؟”.
والجواب: لأنه يُحبُّك! يُحبُّ أن يسمعَ صوتك وأنت تناديه مستغيثاً، يُحبُّ أن يراك وأنت تضعُ كبرياءك تحت قدميك لتسجد له. لولا هذا التعب، لظننتَ أنك وصلتَ بقوتك، لكنَّ “الجهاد” يجعلك دائماً منكسراً على بابه، والانكسارُ على باب الله هو عينُ الوصول.
إلهي.. وسيّدي.. ويا مَن هو أقربُ إليّ منّي..
ها أنا ذا، بقايا محاولاتٍ محطمة، ونفسٍ أرهَقَتْني قبل أن تُرهقَ الطريق.. جئتُكَ لا أحملُ في يديَّ انتصاراً واحداً، بل جئتُكَ بـ «هزائِمي» الكثيرة أمام نفسي.. جئتُكَ بمرضِ قلبي الذي تعبتُ من مُداواته، وبثقلِ جسدي الذي أعجزُ عن جَرّه إليك.
يا رب.. أشكو إليك نَفساً هي أكبرُ عثراتي، نَفساً تحبُّك وتعصاك، ترجو جِوارك وتلتفتُ لغيرك. جئتُكَ مُجاهداً لا بقوّتي، بل بِحَولي الذي نَفد، وقُدرتي التي تلاشت.. فإِنْ لم تكن أنتَ “قوّتي”، فمَن لي في هذا التِّيه؟
سيدي..
لقد مددتُ يدي إليك بـ «شبرٍ» من التقرب.. وهو شِبرٌ مُثقلٌ بالخوف، مُبللٌ بدمعِ الاعتراف. مددتُهُ وأنا أرتجفُ طمعاً في وعدِك الذي لا يخلف.. أرِني يا ربي كَرَمَك وأنتَ تتقرّبُ إليّ «ذراعاً»..
اغمرْني بذاكَ “الذراع” من الرحمة الذي يمحو خطايا “الأشبار” الطويلة من البعد.. خذْني إليكَ أخذاً يقطعُ دابرَ وحشتي، ويسكنُ ضجيجَ مَعصيتي. لا تتركني لنفسي طرْفةَ عين، فقد جَرّبتُ نفسي ووجدتها تُهلكُني.. وجربتُ عفوَكَ ووجدتهُ يُحييني.
يا رب.. ها أنا ذا في مِحراِبك.. عبدُك الفقير، الذي لا يملكُ إلا أن يقول: (أنا لا أستطيعُ.. لكنّكَ أنتَ تستطيع
مجلة روح الاسلام فيض المعارف