جماعة الاخوان بين العصبية القبلية ومخالفة مبادئ الاسلام
6 مارس، 2026
الإسلام وبناء الحضارة

بقلم الدكتور : حاتم عبد المنعم أستاذ علم الاجتماع البيئ بجامعة عين شمس
سلسة الدين والسياسة السماء الصافية والبحر العميق المقال الثالث عشر :
القبلية تهدر الحرية والعدالة والنهضة:
القبلية مرحلة طبيعية مرت بها معظم البلاد قديماً، وتعاني منها كثير من البلاد البدائية وهي تعني مجتمع صغير بدائي يكفل معظم متطلبات الحياة لأعضائه اجتماعية و اقتصادية و دينية و ثقافية وغيرها وهي منغلقة جداً على نفسها في معظم شئون حياتها وخاصة في الأبعاد الآتية:
1. التماسك الاجتماعي الداخلي، والتناسب والتصاهر والزواج الداخلي، ولذلك نجد مقولة صبحي صالح أن الإخواني يتزوج إخوانية، ولا يتزوج من خارج الإخوان لأنه بذلك يختار الأدنى والأقل في كل شيء، وهذه ليس مجرد شعارات بل هي حقيقة واضحة بين قيادات الجماعة الحالية، حيث صلات النسب والتظاهر بين معظم قيادات الجماعة، وذلك بالطبع يؤدي لزيادة قوة الترابط الداخلي حيث تصبح المصالح أقوى.
2. التعاون الاقتصادي: حيث ينادي المرشد الأول للجماعة بوجود شركة اقتصادية كبيرة للجماعة تعني أولاً بتدبير المال وكسبه، هذا فضلاً عن المساهمة المالية لأعضاء الجماعة ثم التساند الاقتصادي لأي عضو يمر بأزمة مالية، والتكافل الاقتصادي والاجتماعي، وهذا ما تفعله القبيلة تماماً حيث يعتمد أعضاء القبيلة بشكل أساسي على أعضائها، ومن ثم تعمل القبيلة على إشباع كافة الاحتياجات الأساسية لأعضائها سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية أو دينية وهذا موجود بوضوح في الجماعة.
3. السمع والطاعة لقائد القبيلة: القبيلة تدار من خلال رئيس القبيلة مما يستلزم السمع والطاعة من جميع الأعضاء، وهذا يعني غياب صور الديمقراطية والمعارضة والرأي الآخر بوجه عام داخل القبيلة، وهنا نتذكر مقولة المرشد الأول بأن أوامر القيادة قاطعة لا تخضع للجدل ولا للتردد أو الانتقاد لأن القائد بمثابة الوالد والأستاذ والشيخ، وهذا يعني الخروج عن الأوامر خروج عن الشيخ والوالد فالخروج هنا بمثابة خروج على القيم والأخلاق، فالقائد مثل الأستاذ أو الشيخ. مما يعنى بوضوح دكتاتورية وغياب الرأي الجماعي و من ثم رأى فردى ضعيف يزيد من ضعف الجماعة وتسلط القائد
4. العصبية وقوة التماسك الداخلي: قيام القبيلة بإشباع معظم الحاجات الأساسية لأعضائها ويترتب عليه قوة التماسك الداخلي والتعصب الشديد للقبيلة سواء في الحق أو غير الحق. ومما يعنى غياب العقلانية والرأي الرشيد بل وغياب الحق في بعض الاحيان.
5. الانتماء للقبيلة وليس للوطن: أعضاء القبيلة يشعرون بالانتماء للقبيلة وهذا يعوق الانتماء للوطن ككل، وهذه نتيجة طبيعية للتعصب القبلي. ومن هنا جاءت مقولة أن الوطن حفنة تراب وليس له قيمة وهذا مخالف للدين والسنة النبوية.
6. الإنغلاق على القبيلة: القبلية تعني التماسك الداخلي والإنغلاق على القبيلة وهذا يعني عزلة عن العالم المحيط، فعضو القبيلة يتزوج ويعمل ويعيش داخل قبيلته، ويرى ما هو خارج القبيلة غريباً، وبالتالي تفرض القبيلة نوعاً كبيراً من العزلة عن العالم الخارجي، فتشعر أن عضو القبيلة منعزل عن العالم المحيط ولا يشعر به، ولذلك تجد من الجماعة من أمضى سنوات طويلة مثلاً في أمريكا لا يجيد الإنجليزية لأنه منغلق على نفسه وجماعته، كما أن هذا يفسر عدم رؤية الجماعة للواقع المحيط فهي وهم منغلقون على أنفسهم ولا يرون سوى أنفسهم ولا يشعرون كثيراً بمن حولهم.
7. رفض الآخر لحد النزاع والتصادم: القبلية ترفض الآخر بل وتميل للصدام مع القبائل الأخرى ومن هنا يحدث التشتت والتشرذم والتخلف، ولذلك هناك نظرية اجتماعية لعالم الاجتماع الكبير (سمنر) تقول أنه كلما كانت العلاقات الاجتماعية داخل الجماعات الداخلية في المجتمع قوية ترتب على ذلك انغلاق كل جماعة من جماعات المجتمع على نفسها مما يؤدى إلى ضعف العلاقات الاجتماعية بين جماعات المجتمع الواحد وبعضها البعض بل يكون هناك تنافس وصراع داخلي بين هذه الجماعات وبعضها البعض مما يعوق إحداث تنمية حقيقية ويزيد فرص الصراع الداخلي، وليس هناك فرص لنجاح تنمية بدون تعاون واضح بين جماعات المجتمع المحلي وهكذا كان الوضع في الجزيرة العربية قبل الإسلام تنازع وصراعات بين الجماعات الداخلية وفرقة وانقسام ثم وحد الرسول عليه الصلاة والسلام كل هذه القبائل فليس هناك قبلية في الإسلام حيث المسلمون جميعا مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى باقي الجسد بالسهر والحمى.
8. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من ولى من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله) رواه الحاكم وحديث آخر لأبي هريرة ما معناه إنه إذا وسدا لأمر إلى غير أهله ضيعت الأمانة فانتظر الساعة وقال عمر بن الخطاب رضى الله عنه من ولى من أمر المسلمين رجلا لمودة أو قرابه بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين
9. – ولكن قواعد جماعة الإخوان تنتمي بوضوح للحياة القبلية، وهذا ما حدث فعلاً حيث أدت جماعة الإخوان لصراع داخلي وتشتت القوى وزيادة التعصب والعنف داخل المجتمع وانقسام المجتمع، بل أن مراجعة تاريخ الجماعة يلاحظ صدامها الحاد مع نظام الملك فاروق، ثم مع عبد الناصر، ثم السادات، ثم مبارك، وحتى عندما اعتلوا الحكم تصادموا مع القضاء، والشرطة، والجيش، والإعلام، والمخابرات ثم معظم الشعب.
إهدار الحرية والعدالة:
القبيلة تعني التعصب وهنا لا يكون هناك حرية في اختيار أي منصب رفيع أو مركز مهما صغر، بل الاختيار لابن القبيلة أو المنتمي إليها وليس للأفضل، وهنا ليس هناك حرية في الاختيار أو عدالة في الاختيار، ويخالف بوضوح الاحاديث السابقة للرسول صلى الله عليه وسلم وهذا ما حدث في معظم اختيارات جماعة الإخوان في أثناء حكمها، وسوف نعطي مجرد أمثلة واضحة وزير استثمار حكومة قنديل خريج كلية الألسن وعمره 35 عاماً، وليس له علاقة بالاستثمار ولكنه ابن الجماعة، وكذلك وزير الثقافة مدرس مونيتور بمعهد السنيما عمره تجاوز الخمسين عاماً، وهذا السن وما قبله يصل فيه أي عضو هيئة تدريس لدرجة الأستاذية، وكذلك نجد رئيس مجلس الشورى والشعب السابقين أحدهما أستاذ علوم والثاني نبات أو تخصص علمي آخر، وكان من الطبيعي في مراكز أمثال هذه أن يكون خريج حقوق مثل “فتحي سرور” أو “مفيد شهاب” مثلاً هذا يتنافى مع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يفيد أنه من أسند الأمر لغير أهله فقد خان الله ورسوله والمؤمنون.
والمؤسف أن هذه الاختيارات لا تعني نقد التعصب وإهدار الحرية في الاختيار والظلم والخيانة لكنها أيضاً تتجاهل حقيقة أن من تعود على السمع والطاعة فلن يستطيع أن يكون ناقداً ومبتكراً أو متفوقاً في إدارته لشئون البلاد، لأنه شخصية نمطية غير ناقدة وغير مبتكرة، وهذه الشخصية قد تنجح في المعارضة، ولكن فرص نجاحها في الحكم شبه معدومة، ومن هنا فالقبلية تعني باختصار تعصب، انغلاق – إهدار العدالة والحرية، وإعاقة التنمية والنهضة، وتشتت المجتمع وانقسامه، وفي النهاية خيانة لله ورسوله والمؤمنون، ومن هنا السؤال هل الجماعة تعد أعضاء مطيعين ينفذون أوامر القائد؟ أم تعد قادة لتحمل المسئولية؟ وأن تدرك لن تجتمع الصفتين معاً؟ ومن هنا فشل الجماعة في إدارة شئون البلاد إذا اعتمدت على أبنائها فقط، بل ليس هناك أي فرصة ولو ضئيلة في النجاح،
رأى الرسول صلى الله عليه وسلم في القبلية والعصبية :
القبلية هي التعصب للقبيلة أو الجماعة وهناك أحاديث كثيرة في هذا المجال منها الأتي: روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “ليس منّا من دعا إلى عصبية، أو من قاتل من أجل عصبية، أو من مات من أجل عصبية” وفي حديث أخر قال صلى الله عليه وسلم محذراً من العصبية ” دعوها فإنها منتنة..” رواه البخاري ومسلم. وفي حديث أخر ورد في مشكاة المصابيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” من دعا إلى عصبية فكأنما عض على هن أبيه.” أو كما جاء في الأحاديث المذكورة يدور معناها على ذم التعصب لأحد بالباطل، كالتعصب للقوم و القبيلة و البلد، بحيث يقف مع قومه أو قبيلته أو أهل بلده ضد من نازعهم، سواء كانوا على الحق أو على الباطل.
ومثل ذلك حين حدث شجار بين أنصاري ومهاجر، فتنادى البعض: يا للأنصار، وتنادى آخرون: يا للمهاجرين، فذم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وجعله من دعوى الجاهلية؛ لأن مقتضاه أن ينصر الأنصاري أخاه الأنصاري ولو كان مبطلا، وأن ينصر المهاجر أخاه المهاجر ولو كان مبطلا أيضا، وإنما شأن المؤمن أن يقف مع الحق، وأن ينصر المظلوم برفع الظلم عنه، وينصر الظالم بحجزه ومنعه عن الظلم، لا يفرق بين من كان من قومه أو من خارج قومه؛ إذ الجميع يشملهم وصف الإيمان والإسلام.
قال النووي رحمه الله في “شرح مسلم”: ” وَأَمَّا تَسْمِيَته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة فَهُوَ كَرَاهَة مِنْهُ لِذَلِكَ ; فَإِنَّهُ مِمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة مِنْ التَّعَاضُد بِالْقَبَائِلِ فِي أُمُور الدُّنْيَا ومعلقاتها , وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَأْخُذ حُقُوقهَا بِالْعَصَبَاتِ وَالْقَبَائِل , فَجَاءَ الْإِسْلَام بِإِبْطَالِ ذَلِكَ , وَفَصَلَ الْقَضَايَا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة. فَإِذَا اِعْتَدَى إِنْسَان عَلَى آخَر حَكَمَ الْقَاضِي بَيْنهمَا , وَأَلْزَمَهُ مُقْتَضَى عِدْوَانه كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِر هَذِهِ الْقِصَّة: (لَا بَأْس) فَمَعْنَاهُ لَمْ يَحْصُل مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة بَأْس مِمَّا كُنْت خِفْته ; فَإِنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُون حَدَثَ أَمْر عَظِيم يُوجِب فِتْنَة وَفَسَادًا , وَلَيْسَ هُوَ عَائِدًا إِلَى رَفْع كَرَاهَة الدُّعَاء بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّة. قَوْله (فَكَسَعَ أَحَدهمَا الْآخَر) هُوَ بِسِينٍ مُخَفَّفَة مُهْمَلَة أَيْ ضَرَبَ دُبُره وَعَجِيزَته بِيَدٍ أَوْ رِجْل , أَوْ سَيْف وَغَيْره “وهذه قضية خطيرة تفرق الأمة وتحتاج إلى المراجعة وبقول المولى الكريم: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} ((الأنعام – 159)).
وفي الختام فإن وجود القبلية تعني فشل مؤكد في إدارة شئون البلاد وإعاقة واضحة للعدالة فالحرية والعدالة داخل الوطن, وفشل في السياسة الخارجية. ولذلك فشلت الجماعة والرئيس مرسى عندما تولى أمور الحكم عام كامل وقبله عام كانوا مسيطرين على مجلس الشعب ولم يصدر قرار واحد مفيد وقد يبرر البعض بأنه لم تتاح لهم الفرصة وكانوا مكبلين ولكن لو صح ذلك فهذا يعنى أنهم تولوا آمر كبير وليسوا على علم بخباياه وهذه مشكلتهم فلا يجب على أي شخص أو جماعة تولى مهمة لا يعلم خباياها أو أن امكانياته لا تسمح له بالنجاح فيها فقد وصلوا للحكم ماذا فعلوا وهل كانوا على علم بصعوبة هذه المسؤولية و متطلباتها وهل نجحوا في أداء هذه المهمة الواقع إنهم دخلوا في عدوات مع كثير من الجهات من قضاء إلى شرطة إلى جيش إلى إعلام وغيره نتيجة الجهل بحقائق الأمور والأوضاع الناتجة عن القبلية والتحجج بأن 30 يونيو مؤامرة ليس له مبرر لأن المؤامرات موجودة فعلا منذ القدم ولكنها مثل الفيروس يقضى على الضعيف
لأن المؤامرة تنجح من خلال نقاط الضعف وأي نظام قوي قادر على تحمل المؤامرة فمثلا 56 مؤامرة معترف بها من الجميع كان هدفها اسقاط ناصر وعودة القناة للإنجليز والفرنسيين ولكنها فشلت والبعض يرى أن وصول الإخوان للحكم مؤامرة وحتى لو كان هذا صحيحا فإن سقوط نظام مبارك لأنه ضعيف داخليا فكل النظم تسقط لأن رصيدها ضعيف عند الشعب ولذلك سقط نظام الاخوان لأنه خلال عام كامل لم يفعل شيء مفيد للشعب لأنه غير مستعد ولا يصلح للحكم في حين أن ضابط صغير مثل ناصر جاء في سبتمبر 1952 بقانون الإصلاح الزراعي الذى أعاد توزيع الثروة لصالح الشعب بعد أقل من شهرين من الحكم فهنا رجل جاء وفى ذهنه إرادة التغيير وأنه مستعد ومخطط لما يريده والخلاصة أن القبلية قد تصلح لتجميع الصفوف وإيجاد معارضة قوية لكنها لا تصلح أبدا للقيادة.