تلاشي السيادة الذاتية في غرف الجراحة السحابية
4 مارس، 2026
الإسلام وبناء الحضارة

بقلم د. تاليا عراوي كاتبة واخصائية في الأخلاقيات وناشطة في مجال حقوق الإنسان
إن التحولات المتسارعة في جراحة القلب وجراحة الأعصاب وغيرها من التخصصات الحيوية تبشر بفجر عصر جديد يُعرف بالطب المُتّصل، حيث انتقلت الأجهزة البيولوجية المزروعة من كونها أجهزة تنظيم ضربات القلب وأجهزة تحفيز عصبي صامتة إلى أطراف سيبرانية وحواسيب متطورة مرتبطة بشكل دائم بالإنترنت. وهذا التحول ولّد عدداً من المعضلات الأخلاقية والروحية والسياسية التي تتجاوز حدود النقاش التقني لتلمس صلب الوجود الإنساني وكرامته، فنحن نجد أنفسنا أمام حالة من الاغتراب الرقمي حيث يواجه المرضى، وهم في ذروة ضعفهم الجسدي وتصدع استقلاليتهم، فرضاً تكنولوجياً يتناقض مع جوهر الموافقة المستنيرة المتفق عليها طبياً، والتي يجب أن يمنحها المرضى بحرية تامة قبل أي إجراء جراحي. وفي حال لم يكن أمام المريض بديل سوى القبول بهذه الأجهزة البيولوجية المنقذة للحياة، فإن موافقته اختلفت في جوهرها عّما سبق إذ تمّت تحت الإكراه. هكذا تكون تمّت صفقة غير عادلة بين طرفين؛ أحدهما يملك سلطة على حياة الآخر، بينما يساوم الطرف الأضعف بخصوصيته الأكثر قدسية مقابل حقه في البقاء.
بينما لا يمس هذا جوهر نزاهة الطب، إلا أن البعض قد يجادل بأنه يفعل ذلك عندما يتم إبقاء المريض غافلاً عما يحدث، وتحديدا بسبب ذلك يتطلب الطب المعاصر صكّ ميثاق جديد يدمج الرحمة الإنسانية بالحصانة الرقمية، لضمان ألا تُقايض الحياة بالتنازل عن الحق في الخصوصية ويتحوّل الطب من فعل رحمة إلى إنذار رقمي نهائي، يضع الكائن البشري في مواجهة مباشرة مع تسليع الروح والجسد، وتحويل الفرد إلى أداة لإدارة السياسة الحيوية، حيث يواجه الجسم البشري خطر التحول إلى مصدر للبيانات غير المشفرة. ما لم تتبنَّ المؤسسات الطبية بروتوكولات تشفير طرفي (End-to-End) تضمن سرية النبض والفكر، سيصبح الجسم البشري مجرد عقدة بيانات في شبكة مراقبة عالمية تجرده من خصوصيته الفطرية.
الجسد بين الأمانة الإلهية والتسليع المادي:
على الرغم من أن الطب يتعامل مع الجسد، فإن الكائن البشري هو جسد وروح معاً، وهذه الحقيقة تستوجب النظر إلى القضية من منظور الأديان التي تنظر إلى الجسد كأمانة وهبها الخالق للبشر، وتقوم هذه الأمانة على الاستخلاف الإلهي الذي لا تملك أي سلطة بشرية أو مؤسسية الحق في انتزاعه أو تحويله إلى أصل تجاري مملوك لأطراف خارجية.
لعل هذا التصور يستوجبُ إعادة تقييم النزعة النفورية من المعتقدات الدينية، والاعتراف بها كحائط صدٍّ أخلاقيٍّ يعترض على كل ما يمسُّ بكرامة الإنسان. وفي هذا السياق، يبرزُ المنظور الإسلامي ليوضح أن السيادةُ على الجسد لا تُعَدُّ مطلقةً، لا للفرد ولا للدولة، بل هي سيادةٌ استخلافيةٌ محكومةٌ بمرادِ الخالق، ممّا يجعل تحويلَ الوظائفِ الحيويةِ إلى بياناتٍ مُستباحةٍ نوعًا من الاعتداء على حرمةِ الآدمي، التي هي أعظمُ عند الله من حرمةِ الكعبةِ المُشرَّفة. فالتكريمُ الإلهيُّ لبني آدم يقتضي صيانةَ حرمةِ الجسد من أن يصبح فريسةً للغرباء، استرشادًا بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. في صميم هذا المنطق ترى المسيحية أن الجسد هو هيكل للروح القدس، مما يجعل أي تدخل يسلعه أو يخضعه للمراقبة انتهاكاً لهذه القدسية، بينما تشدد اليهودية على مبدأ كرامة المخلوقات وضرورة حماية الجسد الذي هو ملك للخالق، معتبرة أن تحويل المريض إلى أداة لتوليد البيانات دون إرادة حرة هو إهانة للكرامة الإنسانية.
حفظ النفس بين البقاء البيولوجي والتكريم الإنساني:
ينتقدُ المنظور المقاصدي هذه التقنيات الطبية لأنها تحصر حفظ النفس في البقاء المادي؛ أي استمرار نبض القلب وعمل الأعضاء. إن الشريعة الإسلامية لا تنظر للحياة كعملية بيولوجية آليّة فقط، بل كوجودٍ قوامُه التكريم والحرية. وهذا التكريم يُنتهكُ تماماً حين تتحول التكنولوجيا من أداةٍ لعلاج الجسد إلى وسيلةٍ للسيطرة عليه؛ إذ لا قيمة لحفظِ جسدٍ سُلبت إرادتُه وأصبح مرتهناً لشركات التقنية.
وهنا تبرز إشكالية الانتهاك الوجودي للفطرة البشرية؛ إذ تتجاوز هذه الغرسات حدود الاستطباب (التداوي) لتصبح منصات للهيمنة السلوكية أو التعزيز السيبراني الذي يخلط بين الكائن الحي والآلة. إن هذا التغول التقني يضع الضرورات الخمس في مهب الخطر؛ فسيادة العقل) الذي هو مناط التكليف (تتآكل حين يرتهن الدماغ لتحديثات برمجية تتحكم فيها قوى خارجية، كما أن مقصد النسل يُستباح عبر الرقابة الشركاتية على البيانات الجينية للعائلة، مما يحول الإنسان من كائن مكرم بخصوصيته إلى نسق بيولوجي مكشوف.
السياسة الحيوية وأدوات الرقابة الشاملة:
يتجلى هذا الخطر في الأنواع الشاملة من الغرسات المستخدمة لتتبع الأفراد وإدارة السياسة الحيوية، بما في ذلك رقائق RFID/NFC تحت الجلد، وهي أجهزة بحجم حبة الأرز تُحقن بين الإبهام والسبابة تحتوي على أرقام فريدة تربط المريض بقواعد بيانات الهوية والتاريخ الطبي والمحافظ الإلكترونية والعملات المشفرة، كما يشمل أنظمة مراقبة المرضى عن بعد المزودة بمستشعرات حيوية متطورة، مثل الركبة الذكية (Persona IQ) التي تتبع النشاط والحركة في الوقت الفعلي، وأجهزة القلب والأعصاب المتقدمة مثل أجهزة تنظيم ضربات القلب وأجهزة تقويم نظم القلب وإزالة الرجفان القابلة للزرع (ICDs) التي تتبع إيقاعات القلب والضغط الداخلي لإصدار تقارير دائمة. ويمتد هذا إلى أنظمة مراقبة الجلوكوز المستمرة (CGM) المزروعة مثل Eversense لتتبع السكري على المدى الطويل، ويصل إلى مستوى واجهات الدماغ والحاسوب مثل تقنيات Neuralink المصممة لربط نشاط الدماغ بأجهزة خارجية للمراقبة أو العلاج، وكذلك بطاقات الهوية الطبية المزروعة لتخزين المعلومات الحيوية التي يمكن مسحها في حالات الطوارئ.
إن تطبيقات هذه الغرسات تمتد لتشمل مجالات مقلقة في إدارة السياسة الحيوية وتتبع الأفراد، بدءاً من إدارة الهوية للوصول إلى المرافق والحواسيب بدلاً من البطاقات المغناطيسية، وصولاً إلى جوازات السفر الصحية لتخزين حالة التطعيم كما ظهر في مبادرات شهادة كوفيد الرقمية للاتحاد الأوروبي، ومراقبة الموظفين في أماكن العمل حيث قامت بعض الشركات بالفعل بزرع رقائق في موظفيها لإدارة الوصول والدفع. كما يصل الأمر إلى إدارة الحدود والهجرة لتسجيل والتحقق من هويات المهاجرين واللاجئين، ومراقبة الفئات الضعيفة مثل مرضى الخرف في سيناريوهات المراقبة الدائمة. هذه التقنيات تحول الجسد إلى أداة مراقبة شاملة، مما يجعل خلوة المرء مع نفسه ملكية عامة لخوادم المراقبة، ويثير مخاوف جادة بشأن زحف الوظائف، حيث تُستخدم الأجهزة المصممة لأغراض طبية في مراقبة سلوكية أو سياسية غير مصرح بها، لدرجة يبدو فيها أن الآخرين يمتلكون معلومات عن الشخص أكثر مما يعرفه الشخص نفسه.
البيانات الحيوية كأصول معلوماتية:
علاوة على ذلك، تبرز قضية فقهية عميقة تتعلق بحفظ المال كحق من حقوق السيادة على الملكية الخاصة، حيث أصبحت البيانات البيولوجية المتدفقة من الجسد في العصر الرقمي أصولاً معلوماتية ذات قيمة سوقية هائلة تتداولها شركات التأمين ومختبرات الأبحاث، والاستيلاء القسري على هذه البيانات دون تعويض هو صورة من صور أكل أموال الناس بالباطل وخرق لمبدأ العدالة. كما يتضمن حفظ المال حماية المريض من التبعية المالية والقانونية القسرية لشركة مصنعة تحتكر وحدها حق التحديث والإصلاح، مما يحول الجسد إلى مصدر للربح السلبي للشركات، وهو ما يتناقض مع مقصد الشريعة في وضوح العقود ونفي الغرر، تحقيقاً للآية الكريمة” :إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان”، فهذه الأمانة تقتضي حماية السيادة البيولوجية من إن أي ادعاءٍ خارجي بملكية البيانات الحيوية كنبضات القلب أو إشارات الدماغ , يُمثل تغولاً معلوماتياً ينتهك خصوصية الذات. ويكمن الخلل الشرعي هنا في إساءة تأويل قاعدة الضرورات تبيح المحظورات؛ إذ تُفرَضُ ميزةُ ‘الاتصال الدائم بالإنترنت كضرورةٍ تقنيةٍ زاهرة، بينما هي في الواقع ثغرة أمنية تسلب المريض سيادته. لذا، يجب أن تظل سلطة التحكم في البث الرقمي وتوقيته حقاً سيادياً للمريض، لا قيداً تقنياً تملكه إن سعي الشركات أو الأطباء لجمع البيانات ليس بالضرورة مصلحةً حتميةً لبقاء المريض، بل غالباً ما يكون منفعةً نفعيّةً محضة للجهة المُصنِّعة قُدِّمَتْ عمداً على حق المريض في الخصوصية والسيادة، بل وعلى أمنه الصحي الذي قد يُستغل لأجندات سياسية. وهنا، تجبُ المحاكمة إلى قاعدة الضرر لا يُزال بمثله؛ فلا يُقبل شرعاً دفع ضرر الموت (تأمين الحياة) بضررٍ يوازيه أو يفوقه، وهو استلاب كرامة الإنسان وتجريده من السيادة المطلقة على جسده وعقله.
المُخبر الرقمي والاغتيال السيبراني:
ومن هذا الاغتراب الأخلاقي ينبثق بُعد سياسي مُرعب يحول هذه الأجهزة من أدوات للشفاء إلى أدوات عابرة للحدود في الحروب السيبرانية، لتصبح في نهاية المطاف آلات موت بنقرة زر في أيدي قوى قادرة على اختراق التشفير أو التحكم في الخوادم المركزية؛ فالمعارض السياسي أو الشخصية المؤثرة التي تعتمد على جهاز طبي متصل تعيش بقنبلة موقوتة في أحشائها يمكن تفعيلها بقرار سياسي خفي. حيث تسمح الثغرات البرمجية في أجهزة شركات عالمية رائدة في مجال التكنولوجيا الطبية والرعاية الصحية بالتلاعب بجهد القلب أو إيقاف النبض عن بعد بنقرة واحدة، وهو ما دفع نائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني إلى طلب تركيب جهاز بدون خاصية Wi-Fi خوفاً من الاغتيال الرقمي، لكن هذا المنطق نفسه هو الذي يسمح بوضع الأقوياء في مقدمة قوائم الزرع حتى لو لم يكونوا بحاجة ماسة، مما يحول التكنولوجيا الطبية من أداة تحرر إلى ستار يخفي آليات للسيطرة القمعية والتصفية الجسدية المبرمجة التي لا تترك أثراً جنائياً، حيث يظهر الموت طبياً كأزمة قلبية طبيعية بينما هو في جوهره اغتيال سياسي يتم عبر السحابة الإلكترونية. وعندما يقتصر امتلاك هذه القدرة على حماية الذات أو التلاعب بالنظم فقط على الأقوياء أو أولئك الذين يملكون الثروة، فإن هذا سيزيد من حدة الانقسام الطبي والفجوة العميقة في الرعاية الصحية، حيث تصبح النجاة والخصوصية امتيازاً طبقياً يُشترى بالمال، بينما يُترك الفقراء عرضة للاستلاب الرقمي التام.
تكشف الرؤية البيونية (Bionic Vision) في ظل المشهد التقني-الرأسمالي المعاصر عن نظرة قاصرة للإنسان؛ حيث يُختزل الكيان البشري في صورة “مستهلك رقمي” تنتهي قيمته الوجودية بمجرد توقف تدفق الربح. في هذا النموذج، تصبح حياة الإنسان وحواسه رهينةً لاتفاقيات المستخدم (User Agreements) وقدرته المالية؛ فبمجرد العجز عن الدفع أو انتهاء صلاحية العقد، قد تُسحب منه “الحياة” أو “البصر”، كما حدث في حالات موثقة لأجهزة تعويضية توقفت عن العمل فجأة.
ولعلَّ أخطر تجليات هذا الارتهان التقني هو تحول الوظائف الحيوية إلى مُخبر رقمي قابعٍ داخل الجسد؛ وهو ما تجسد واقعياً في قضية الأمريكي «روس كومبتون» عام 2017. ففي سابقة قانونية خطيرة، استُخدمت بيانات جهاز تنظيم ضربات القلب الخاص به كدليل إدانة جنائي، لتتحول نبضات قلبه) التي وُجدت أصلاً لإنقاذ حياته (إلى شاهد إثبات ضده.
يمثل هذا التحول خيانةً أخلاقية لرسالة الطب التي قامت تاريخياً على الأمان والائتمان. وبناءً عليه، بات من الضروري سنّ تشريعات دولية تمنح حصانة بيولوجية للبيانات الحيوية، وتمنع استخدامها كأدلة جنائية إلا في أضيق الحدود وبضوابط قضائية صارمة؛ صوناً لحرمة الجسد، وحمايةً لحق الإنسان الأصيل في عدم تجريم ذاته عبر أجهزة زُرعت لإنقاذه لا للتجسس عليه.
الحصانة البيولوجية واستعادة قدسية الذات:
إلى جانب مخاطر الخصوصية والتبعية، تبرز مخاطر جسدية جسيمة تشمل العدوى، والرفض المناعي، وهجرة الرقائق، وعدم التوافق مع أجهزة الرنين المغناطيسي، فضلاً عن مخاطر الاختراق والسرقة الأمنية والتهديدات الناتجة عن جعل الأجساد أجساداً معززة أو أهدافاً للهجمات السيبرانية.
إن استعادة قدسية الجسد وسيادة المريض تتطلب ثورة تشريعية وفقهية وحقوقية تقر الحق في السيادة والإصلاح، وتلزم بتصميم تقنيات تحترم الخصوصية بالتصميم وتفصل الوظيفة العلاجية تماماً عن آلية المراقبة، لضمان ألا تُرهن الحياة التي وهبها الخالق لاتفاقية مستخدم تافهة أو نظام قمعي يتربص بالخصوم؛ فالحق في البقاء لا يجوز أن يُشترط بالتنازل عن السيادة على الذات والروح، ابتعاداً عن منطق التسليع والارتهان الرقمي الذي يهدد استقرار الفرد والمجتمع. وحتى لو كانت القوانين الدولية والأطر الأخلاقية موجودة نظرياً لحماية السيادة البيولوجية، فإنها تظل في كثير من الأحيان تفتقر إلى القوة الإلزامية والفاعلية الحقيقية في مواجهة الهيمنة الشركاتية ومراقبة الدول، فنحن نعيش في عالم نرى فيه باستمرار خرقاً للقوانين واللوائح الدولية دون فعل أي شيء لمعالجة هذه الخروقات؛ فالقوانين بلا محاسبة هي قوانين بلا معنى، وهي مجرد حبر على ورق أو أفيون يُستخدم لتخدير الجماهير بينما يتم استباحة أخص خصوصياتهم.
لا بد أن ندرك في نهاية هذا المطاف أن نبض القلب ليس إيقاعاً لضبط أرباح الشركات، ولا العقل خادماً للدولة يحصد أسراره، فالله وحده هو الذي يقدر آجال الخلائق وهو بيده مقاليد الحياة والموت، وما هذه التقنيات إلا من قبيل “العمل بالأسباب” التي استودعها الله في الكون لعلاج الأبدان لا لاستباحة الإنسان. إن لكل بشر مساحة داخلية مقدسة هي خلوة الروح مع خالقها، تلمسها يد القدر بعيداً عن متناول الخوارزميات، وإذا سمحنا للطب أن يصبح باباً خلفياً للعبودية الرقمية، نكون قد استبدلنا كرامتنا الفطرية ببقاء مُراقب وهشّ. إن الشفاء الحقيقي هو ما يعيد للإنسان تكامل كيانه وحريته، ويجعل من التكنولوجيا أداة رحمة متواضعة وسبباً من أسباب التداوي المشروع، تضمن بقاء الأمانة المقدسة في أجسادنا حصناً لا يطاله تحديث ولا تطفئه نقرة زر ,والقلب ملكاً لصاحبه، والروح حرة في محرابها.